في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي د. باسم البواب، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أن "خلال شهر رمضان يتبدّل نمط الإنفاق لدى الأسر بشكل واضح، فالمصروف الذي يكون عادةً مخصصًا للكماليات، مثل الأجهزة المنزلية والمفروشات وبعض المشتريات غير الأساسية، يتحوّل بدرجة كبيرة نحو الإنفاق على المواد الغذائية وكل ما يرتبط بالشهر الكريم، من عزائم وموائد إفطار".
تحول نمط الإنفاق خلال رمضان مقارنة مع السنوات السابقة
ويضيف: "بطبيعة الحال، يضاف إلى ذلك بند أساسي يتمثّل في الزكاة والصدقات، حيث يخصص عدد كبير من الناس جزءًا من مصروفهم لهذه الغاية، ما يشكّل عنصرًا إضافيًا في حركة الإنفاق خلال هذا الشهر، هذا التحوّل في وجهة المصاريف يساهم بدوره في تحريك العجلة الاقتصادية، وإن كان بتركيز واضح على قطاعات محددة، لا سيما الغذاء والتبرعات".
أما بالنسبة للتغيّر في حجم الإنفاق مقارنة بالسنوات السابقة، يرى البواب أنه "يمكن القول إن الأوضاع عادت تقريبًا إلى ما كانت عليه قبل عام 2019، فالأرقام المسجّلة اليوم، سواء في الاستيراد أو الاستهلاك أو حركة الإنفاق والسياحة والمطاعم، باتت قريبة جدًا من مستويات ما قبل تلك المرحلة. وبالتالي، لا يُلحظ حاليًا تغيير جذري في نمط إنفاق الأسرة مقارنة بما كان سابقًا، بعدما شهدت تراجعًا في السنوات الماضية".
حركة الأسواق خلال الشهر والتكيف مع القدرة الشرائية
وفيما يخص الأسر ذات الدخل المحدود، يشير إلى أنه "يُلاحظ توجّه نحو تعديل نوعية المشتريات بدلًا من تقليص حجم الاستهلاك، فبدل شراء علامات تجارية مرتفعة السعر، قد يتم اختيار علامات أرخص، أو الانتقال من فئات عالية الجودة إلى فئات أقل سعرًا، سواء في التمور أو الحلويات أو المشروبات الرمضانية أو غيرها، بمعنى آخر، يبقى حجم الاستهلاك متقاربًا، لكن مع تغيّر في العلامات التجارية أو مستويات الجودة بما يتناسب مع القدرة الشرائية".
ويتابع: "من حيث التوقيت، يبدأ الشهر عادة بوتيرة أبطأ نسبيًا، إذ تحتاج الأسواق إلى بضعة أيام حتى يتأقلم الناس مع أجواء رمضان ونمطه اليومي المختلف. خلال هذه الفترة قد يُسجّل تراجع نسبي في الحركة الاقتصادية، قبل أن تعود وتنتعش تدريجيًا، وفي النصف الثاني من الشهر، يزداد الإنفاق بشكل ملحوظ، خصوصًا مع اقتراب عيد الفطر، حيث ترتفع المصاريف المرتبطة بملابس العيد وزينته وكل ما يتعلّق بالتحضيرات لهذه المناسبة، لا سيما لدى الأطفال".
ويؤكّد البواب أن "بعد انتهاء رمضان، يتراجع الإنفاق على الغذاء والضيافة، وتعود المصاريف لتتجه نحو الاحتياجات المؤجلة خلال الشهر، كشراء الأجهزة المنزلية أو الأثاث أو غيرها من السلع التي تم تأجيلها، بذلك يمكن القول إن الأموال لا تخرج من الدورة الاقتصادية، بل تنتقل من قطاع إلى آخر، ومن الكماليات إلى الأساسيات، ثم تعود لتوزّع على مختلف أوجه الإنفاق بعد انتهاء الشهر الكريم".
الزكاة والتبرعات ودورها الاقتصادي
ويضيف: "ما يتم تأجيله خلال شهر رمضان يُعوَّض في الشهر الذي يليه. فالإنفاق يتحوّل من قطاعات معيّنة إلى أخرى، إذ تتراجع المصاريف المرتبطة بالكماليات، كالمفروشات والإلكترونيات والسيارات، مقابل ارتفاع واضح في الإنفاق على الغذاء والمشروبات وكل ما يتصل بأجواء رمضان".
ويشير أيضًا إلى أن "من العناصر الأساسية التي تميّز رمضان مسألة الزكاة والتبرعات، والتي تساهم بشكل مباشر في تحريك الدورة الاقتصادية. فحين تنتقل الأموال من الفئات الميسورة إلى الفئات ذات الدخل المحدود، يعاد ضخّها سريعًا في السوق، لا سيما في القطاعات الأساسية كالأدوية والمواد الغذائية والاحتياجات اليومية، ما ينعكس إيجابًا على الحركة الاقتصادية، خصوصًا في ما يتعلّق بالسلع الضرورية".
رمضان والدعم الاقتصادي العام
وعلى المستوى العام، يلفت إلى أن "المؤشرات الاقتصادية تُظهر تحسّنًا ملحوظًا، مع تسجيل نسبة نمو تتراوح بين 5 و7% سنويًا، كما يلعب اللبنانيون المنتشرون في الخارج دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد، سواء عبر التحويلات المالية التي تقارب 7 مليارات دولار سنويًا، أو من خلال إنفاقهم المباشر داخل لبنان، والذي يُقدَّر بحوالي 6 مليارات دولار سنويًا، وهذا الإنفاق لا يقتصر على شهر رمضان، بل يمتد على مدار السنة في مواسم متعددة، ومن بينها رمضان والأعياد، لذلك، لا يمكن اعتبار رمضان شهر ركود اقتصادي، بل على العكس هو شهر خير وبركة وحركة، مع اختلاف في وجهة الإنفاق بين قطاع وآخر، فالأموال تنتقل من مجالات معينة إلى أخرى بحسب طبيعة الموسم".
ويختم البواب: "يمكن تعميم هذه القاعدة على مختلف المناسبات والأعياد، سواء كانت دينية كعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الميلاد، أو مناسبات اجتماعية وتجارية مثل عيد الأم أو عيد المعلّم، فلكل موسم طابعه الخاص ونمط إنفاقه المميز، ما ينعكس على قطاعات وشركات معيّنة تتحرك تبعًا لطبيعة المناسبة، وبالتالي تبقى الحركة الاقتصادية مرتبطة بدورية المواسم والأعياد وتبدّل أولويات الاستهلاك خلالها".