توقّفت أوساط سياسية مسيحية، عند التعديلات التي أجراها "حزب الله" في بنيته التنظيمية، وغرقت التحليلات في قراءة الأسماء والمواقع وكأنها مفاتيح تحوّل استراتيجي. غير أن المقاربة الهادئة تفضي، بحسب الأوساط، إلى خلاصة مختلفة تعتبر ما جرى يبقى في إطار إعادة توزيع أدوار داخلية، لا أكثر، أما السؤال الذي يعني اللبنانيين فعلاً، فهو أبعد من الأشخاص والمناصب.
وترى الأوساط، أن المسألة الجوهرية تتّصل بخيار الحزب نفسه، فهل هو مستعد للإعتراف بتحوّل الوقائع العسكرية والجيوسياسية؟ وهل قرّر مراجعة المشروع الذي صادر قرار الدولة لعقود، وأدخل لبنان في مسارات الإنهيار والعزلة والصدام المفتوح مع محيطه؟ وهل هو مستعد للإلتزام العملي بالدستور، وبمنطق الدولة السيدة التي تحتكر قرار الحرب والسلم؟
وشدّدت الأوساط المسيحية، على أن ما يهمّ اللبنانيين هو إذا كان الحزب سيعيد تموضعه ضمن الإطار الوطني سياسياً واستراتيجياً، أي الإنتقال الواضح من تنظيم عسكري ذي وظيفة إقليمية إلى حزب سياسي يعمل تحت سقف الدولة والقانون.
ولكن، تتابع الأوساط، حتى اللحظة، لا مؤشرات جّدية على هذا التحوّل، والخطاب الأخير للأمين العام نعيم قاسم أعاد إنتاج اللغة ذاتها، حديث عن تكليف إلهي، وتأكيد على شرعية المقاومة، وادعاء بأنها ضمانة السيادة، وهذه المقاربات تُعيد النقاش إلى نقطة الصفر، وتُصعِّب أي حوار وطني حين يُقدَّم السلاح بوصفه تكليفاً سماوياً لا يخضع لمنطق الدولة، ففي دولة مدنية كلبنان، لا شرعية تعلو على شرعية الدستور، ولا يمكن لأي فريق أن يفرض سلاحاً خارج المؤسسات بذريعة دينية، فالله ليس حكراً على أحد، ولا يجوز تحويل الإيمان إلى أداة سياسية تبرّر احتكار قرار الحرب والسلم في بلد يقوم على التعدّدية والشراكة.
ورأت الأوساط نفسها، أن الإدعاء بأن المقاومة أنقذت لبنان يصطدم بوقائع الحروب الأخيرة المتكرّرة والإستنزاف الإقتصادي، والعزلة العربية والدولية، وتآكل صورة الدولة.
وتابعت الأوساط، أن القول بأن الدستور يشرّع "المقاومة"، مبالغة لا تسندها نصوص واضحة، لأن الدستور يتحدث عن بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير الأرض عبر مؤسّساتها الشرعية، وهو نص يضع المسؤولية على عاتق الدولة، لا على عاتق أي حزب، أياً تكن خلفيته.
وأشارت الأوساط، إلى أنه يمكن قراءة خطاب الأمين العام الأخير ضمن ثلاثة عناوين، أولها، محاولة الإيحاء بوحدة موقف مع رئاسة الجمهورية والحكومة، ونفي وجود خلافات داخل البيئة الحليفة، ولا سيما مع حركة "أمل"، إلا أن الوقائع تشير إلى تباينات حقيقية، وإن جرى احتواؤها مرحلياً، أما ثانيها، فهو الحديث عن عقود من الإنتصارات، في حين أن ميزان الردع الذي كان يُطرح كحقيقة ثابتة، تعرّض لاختبارات قاسية في محطات متعدّدة. وثالثها، إلحاح الحزب على عنوان وقف العدوان، في الوقت الذي تبدو فيه المعادلة الإقليمية أكثر تعقيداً، مع تشابك المسارات المحلية بالإقليمية والدولية.
والخلاصة، بحسب الأوساط السياسية عينها، هي أن النقاش لم يعد حول تعديلات تنظيمية أو توزيع مواقع داخلية، بل حول خيار وجودي، فإما انتقال واضح إلى منطق الدولة، أو استمرار ازدواجية السلطة والسلاح، وحتى تتبلور معالم التحوّل، سيبقى الإشتباك السياسي قائماً، بانتظار ما ستؤول إليه التوازنات الإقليمية، ولا سيما مسار العلاقة الأميركية ـ الإيرانية، الذي يبدو حاسماً في رسم المرحلة المقبلة.