الحريري لم يقل “عدت”. لكنه قال ما هو أهم: من أين سيعود، وبأي شروط، وتحت أي سقف. لم يحدد موعدًا، لكنه حدّد إطارًا. لم يرفع السقف، لكنه ترك ما يكفي من الإشارات ليؤكد أن الباب فُتح، وأن القرار بات مرتبطًا بالاستحقاق لا بالمزاج، وبالمعادلة لا بالانفعال.
في قراءة “ليبانون ديبايت”، حقق الخطاب 4 أهداف واضحة، موزعة بعناية بين الداخل والخارج، وبين “تحييد” و”تصعيد” و”تعليق مشروط”.
الهدف الأول: تحييد الاشتباك الخليجي وإغلاق باب التأويل
الجملة التي التقطها كثيرون على أنها إنشائية، كانت في الواقع حجر الزاوية: “الحريرية كانت وستبقى داعمة لكل تقارب عربي وطارد لكل خلاف، ومن يخيط بمسلة الخلافات الخليجية والعربية رح تطلع سلتو فاضية وسيحرق يديه ورصيده”.
هنا، لم يكن الحريري يخاطب جمهوره فقط. كان يوجّه رسالة سياسية إلى من يحاول ربط عودته بتوازنات عربية دقيقة. هو المقيم في الإمارات يدرك أن أي خطوة سياسية ستُحمّل فورًا معنى الاصطفاف، أو ستُقرأ كأنها موقف في لعبة تباينات سعودية – إماراتية. لذلك قرر أن “يقتل الرواية” قبل أن تولد: لا عودة في مواجهة السعودية، ولا عودة باسم الإمارات، ولا إدخال للبنان في لعبة محاور خليجية.
بهذا المعنى، لم يطلب غطاءً من أحد، بل منع استخدام اسمه وقصته في بازار الاستقطاب. أراد أن يبقى العنوان العربي عنوان تقارب، لا انقسام. وأن تبقى “الحريرية” خارج أي اشتباك.
الهدف الثاني: تثبيت الشرعية الشعبية وتأكيد أن التيار لم يمت
الحريري كان يعرف أن الخصوم راهنوا على غياب طويل، وأن بعض “البدائل” صعدت على موجة الفراغ. لذلك شدد على المعنى الذي لا يُقال عادة مباشرة: نحن لم نخرج من المعادلة، بل ابتعدنا عنها، لكننا لم نفقد الشارع.
حين يقول: “بعد 21 سنة والله لستم قلة… لم تكونوا مرة قلة ولن تكونوا إلا كثرا”، فهو لا يكتفي برفع المعنويات، بل يعيد تثبيت “المخزون الشعبي” كقاعدة صلبة لأي عودة. ويمرر إشارة سياسية واضحة: أي استحقاق انتخابي من دون هذا الثقل يبقى ناقصًا سياسيًا وشعبيًا.
الهدف الثالث: إعادة تعريف الخصوم تحت عنوان “الخناجر”
هنا ارتفعت النبرة. وهنا خرج الحريري من التطمين إلى الاشتباك الداخلي. قالها حرفيًا: “ابتعدنا لكننا موجودون ونعيش همومكم ونرى من يعتقدون أنهم سيلغونكم والذين حولوا أنفسهم للأسف إلى خناجر للطعن بي ليل نهار”.
هذه العبارة ليست انفعالًا ولا شتيمة سياسية. هي تسمية رمزية للخصم. من ملأ الفراغ خلال الغياب ليس “بديلًا طبيعيًا”، بل طرف استثمر في الغياب ليطعن ويثبّت واقعًا جديدًا. والحريري، بهذا التوصيف، يعيد فرز الساحة: من معه، من عليه، من طعنه، ومن تاجر باسمه.
والأهم أنه ربط هذا الاشتباك بأسباب الانكفاء نفسها، حين قال إن الابتعاد حصل عندما “بات المطلوب أن نغطي الفشل ونساوم على الدولة”، مؤكدًا أن “السياسة على حساب كرامة البلد ومشروع الدولة لا معنى لها أو مكان بمدرستنا”. أي أنه أعاد تقديم الانكفاء كقرار مبدئي، لا كعجز سياسي، ووضع خصومه في خانة من استفاد من ظرف استثنائي لا من تحول دائم.
الهدف الرابع: تعليق العودة على الانتخابات… ونقل السؤال من “هو” إلى “هي”
أما بيت القصيد فجاء في العبارة المفصلية: “قولوا لي متى الانتخابات كي أقول لكم ماذا سيفعل المستقبل… أعدكم متى ما حصلت سيسمعوا أصواتنا ويعدّوها”.
هنا، لم يعد السؤال: هل سيعود الحريري؟ بل: هل ستُجرى الانتخابات فعلًا؟ هذه ليست مناورة لغوية. إنها “التزام مشروط” يربط القرار بموعد الاستحقاق وسياقه وضماناته. فإذا جرت الانتخابات في موعدها وبشروط واضحة، يصبح الانتقال إلى قرار المشاركة طبيعيًا. وإذا دخل البلد في سيناريو تأجيل أو تعطيل أو غموض، يبقى القرار معلّقًا بلا كلفة سياسية، لأن الرجل لم يحسم، بل علّق على شرط.
وفي معلومات “ليبانون ديبايت” أن الحريري تعمّد إبقاء سقف خطابه منخفضًا ومدروسًا. فلو كان متيقنًا بالكامل من حصول الانتخابات في موعدها، لكان رفع مستوى الحسم وأطلق إشارات أوضح باتجاه العودة الكاملة. إلا أن عنصر عدم اليقين، داخليًا وإقليميًا، فرض أن يفتح الباب من دون أن يعبره.
هذا الانخفاض في السقف ليس ترددًا، بل إدارة توقيت. الاحتفاظ بورقة ثقيلة واستخدامها في لحظة محسوبة. اختبار جدية السلطة في احترام الاستحقاق أولًا، قراءة اتجاه الرياح الإقليمية ثانيًا، وترتيب البيت الداخلي ثالثًا.
خلاصة المشهد
خطاب الحريري لم يكن وعدًا بالعودة بقدر ما كان هندسة سياسية لهذه العودة: تحييد للخليج، تحصين للتموضع العربي، تصعيد داخلي ضد “الخناجر”، وإبقاء القرار النهائي معلّقًا على عنوان واحد هو الانتخابات.
فإذا حصلت الانتخابات، “سيسمعوا أصواتنا ويعدّوها”. وإذا لم تحصل، يبقى القرار في يده. هكذا كتب الحريري رسالته: العودة ليست لحظة عاطفية… بل خطوة بشروطه، لا بشروط الآخرين.