تصاعدت حدّة التوتر الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وبلجيكا، على وقع سجال سياسي وإعلامي واسع، بعدما تحوّل خلاف حول تصريحات داخلية إلى مواجهة مفتوحة شملت تهديدات بالعقوبات، واستدعاءً دبلوماسيًا، ودخول إسرائيل على خط الأزمة، ما أعاد إلى الواجهة حساسية العلاقة بين حرية التعبير والسيادة القضائية في أوروبا، وحدود التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول.
بدأت فصول التوتر عندما بعث السفير الأميركي في بروكسل بيل وايت رسالة إلى رئيس الحكومة البلجيكية بارت دي ويفير، طالب فيها بإلزام زعيم الحزب الاشتراكي الفلمنكي كونر روسو بسحب تصريحاته العلنية والاعتذار إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وذهبت الرسالة إلى حد التهديد بإدراج روسو على قوائم العقوبات الأميركية وحرمانه من دخول الولايات المتحدة، وفق ما نقلته وسائل إعلام بلجيكية.
وكان روسو قد نشر قبل أيام مقطع فيديو قارن فيه بين ما وصفه بـ"أقصى اليمين بقيادة ترامب" وسلوك شرطة مكافحة الهجرة غير النظامية الأميركية (ICE)، معتبرًا أن "التاريخ يعيد نفسه"، ومشيرًا إلى تجارب أوروبية سوداء تعود إلى ثمانين عامًا.
وتزامن السجال مع خطوة بلجيكية لافتة، إذ استدعى وزير الخارجية ماكسيم بريفو السفير الأميركي، على خلفية تصريحات اتهم فيها بلجيكا بـ"معاداة السامية"، بسبب إحالة ثلاثة من رجال الدين اليهود إلى القضاء بعد قيامهم بختان طفل من دون إشراف طبي، في إجراء يخالف القوانين البلجيكية لما ينطوي عليه من مخاطر صحية.
وردّ بريفو عبر منصة "إكس" معتبرًا أن تصريحات السفير "غير مقبولة"، وتمثل تدخلاً مباشرًا في شؤون القضاء في دولة يحكمها القانون واستقلال السلطات.
الأزمة اتخذت بعدًا إضافيًا مع دخول إسرائيل على الخط، إذ أيّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تصريحات السفير الأميركي، معتبرًا أن "معاداة السامية" تشهد تصاعدًا في بلجيكا، ومتحدثًا عن مخاوف لدى اليهود من إظهار رموزهم الدينية.
لكن بريفو عاد ليؤكد، في منشور مطوّل، أن بلاده تضم واحدة من أقدم الجاليات اليهودية في أوروبا، مشددًا على أن السلطات البلجيكية تعتمد إجراءات واضحة لحماية جميع المواطنين، وتعزيز ثقافة التسامح واحترام التعدد الديني، من دون المساس بتطبيق القانون على الجميع.
تعكس هذه الأزمة حساسية متراكمة في العلاقات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، حيث تتقاطع ملفات الهجرة، وحرية التعبير، واستقلال القضاء، مع توترات سياسية أوسع مرتبطة بسياسات إدارة ترامب السابقة، والانقسام الأوروبي الداخلي حيال صعود التيارات اليمينية. كما تبرز مجددًا حدود التدخل الدبلوماسي في القضايا القضائية، وخصوصًا في دول الاتحاد الأوروبي التي تشدد على سيادة القانون كخط أحمر.