الكاتب والمحلّل السياسي علي حمادة، وفي حديثٍ إلى "ليبانون ديبايت"، رسم صورة مغايرة لما اعتاده المتابعون في جولات التوتّر السابقة مع إيران، مؤكّدًا أنّ ما يجري اليوم "ليس استعراضًا عسكريًا عابرًا، بل تموضعٌ عملياتي فعلي".
حشد غير مسبوق… و"الخيار العسكري" على الطاولة
بحسب حمادة، فإنّ حجم النقل العسكري الأميركي باتجاه أوروبا والشرق الأوسط يعكس استعدادًا جدّيًا لسيناريو المواجهة، إذ يشمل انتشارًا كثيفًا لطائراتٍ مقاتلة متطوّرة، وأسرابًا من طائرات التزوّد بالوقود، إضافةً إلى منصّات قيادةٍ وسيطرة جوية وطائرات حربٍ إلكترونية.
ويلفت إلى أنّ إدخال طائراتٍ شبحية متقدّمة، تُبقيها الولايات المتحدة عادةً داخل أراضيها ولا تستخدمها إلا في مهام استثنائية، يشير إلى أنّ الخيار العسكري لم يعد مجرّد ورقة ضغط سياسية، بل احتمالًا واقعيًا قائمًا. فالمعادلة هذه المرّة مختلفة، وفق تعبيره، لأنّ "العصا ليست للعرض، بل جاهزة للاستخدام".
كما يشير إلى تحريك قاذفاتٍ استراتيجية بعيدة المدى قادرة على إطلاق صواريخ دقيقة من مسافات آلاف الكيلومترات، ما يعني أنّ أي ضربة محتملة لا تحتاج إلى اختراقٍ مباشر للأجواء الإيرانية، بل يمكن تنفيذها من نطاقاتٍ بحرية بعيدة.
مفاوضات تحت الظلّ الثقيل
ورغم أنّ الإيرانيين يتحدّثون بإيجابية عن مسار التفاوض ويركّزون علنًا على الملف النووي ورفع العقوبات، يرى حمادة أنّ الإشارات الأميركية الصامتة لا تعكس ارتياحًا حقيقيًا. فالنقاش، وفق التسريبات، لا يقتصر على النووي فحسب، بل يمتدّ إلى البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي عبر حلفائها في المنطقة.
ويعتبر أنّ ما تغيّر عن جولات التفاوض السابقة هو ميزان الضغط. ففي السابق كان الإيراني يفاوض مطمئنًا إلى أنّ الخيار العسكري مستبعد عمليًا، أمّا اليوم فالمعادلة مختلفة، إذ يجري التفاوض فيما التحضير العسكري قائم ومتصاعد.
ماذا عن لبنان؟
الشقّ الأخطر في تقدير حمادة يتّصل بتداعيات أي مواجهة على الساحة اللبنانية. فهو يحذّر من أنّ أي ضربة أميركية – إسرائيلية واسعة داخل إيران قد تفتح الباب أمام تدخّل مباشر من حزب الله، سواء عبر جبهة الجنوب أو من خلال استهداف مصالح إسرائيلية أو أميركية في المنطقة.
وفي حال انزلاق الحزب إلى مواجهة عسكرية، يرى حمادة أنّ الردّ قد لا يكون محدودًا، بل قد يتحوّل إلى حملةٍ واسعة على الأراضي اللبنانية، في ظلّ مناخٍ إقليمي متوتّر واستعدادٍ عسكري مسبق.
ويشدّد على أنّ لبنان، في هذه اللحظة الحسّاسة، يقف أمام احتمال أن يُزجّ مجدّدًا في صراعٍ يتجاوز قدرته على التحمّل، خصوصًا أنّ أي مواجهة إقليمية شاملة قد لا تبقى محصورة ضمن الحدود الإيرانية، بل تمتدّ إلى ساحات النفوذ المرتبطة بطهران.
بين العدّ العكسي والضبابية
ويختم حمادة بالإشارة إلى أنّ الإيقاع المتسارع للأحداث، من كثافة الحركة الجوية العسكرية إلى التصريحات الغربية والإسرائيلية، يوحي بأنّ المنطقة دخلت مرحلة العدّ العكسي، حتى وإن بقي التوقيت الدقيق لأي تطوّر رهن الحسابات السياسية والعسكرية.
لكنّ الثابت، وفق قراءته، أنّ الشرق الأوسط لم يكن منذ سنوات أمام معادلة بهذا الوضوح: مفاوضات تحت ضغط القوة، وحشد عسكري لا يشبه ما سبقه، ولبنان يقف على خط تماس محتمل إذا ما قرّر أحد اللاعبين كسر قواعد الاشتباك.