"ليبانون ديبايت"
يعيش قطاع غزة بين واقعين مؤلمين الاول يتمثل باستمرار المعاناة الناتجة عن العدوان الاسرائيلي والثانية في كيفية مقاربة الحل عبر مجلس السلام المزعوم، وفي قراءة سياسية شاملة لتطورات المشهد في غزة والمنطقة، عرض مسؤول العلاقات الإعلامية لحركة حماس في لبنان، محمود طه، مقاربة الحركة للخطوات الدولية المستجدة، وفي مقدّمها إطلاق ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" بمبادرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى تقييمه لواقع وقف إطلاق النار ومستقبل المقاومة في عام 2026.
أولاً: "مجلس السلام"… بين إعادة الإعمار والهواجس السياسية
أشار طه إلى أنّه يُعقد اليوم الخميس 19 شباط 2026 الاجتماع الأول لمجلس السلام الذي أطلقه ترامب، موضحاً أن الأهداف المعلنة للمجلس تتمثل في جمع نحو خمسة مليارات دولار كدفعة أولى لإعادة إعمار غزة، مع خطة لنشر "قوة استقرار دولية" تحل تدريجياً محل القوات الإسرائيلية، على أن يكون لإندونيسيا دور بارز فيها عبر مشاركة تُقدَّر بنحو 8000 جندي.
واعتبر أن النقطة الأكثر إثارة للجدل تكمن في غياب التمثيل الفلسطيني المباشر عن الهيكلية الرسمية للمجلس، ما يمنحه طابع "الصفقات الدولية" ويثير ريبة الفلسطينيين من احتمال فرض حلول فوقية لا تعبّر عن إرادتهم الوطنية.
وأضاف أن التعويل الفلسطيني على هذا المجلس يبقى مشروطاً ومحفوفاً بالمخاطر. ففي حين يرى بعضهم أنه قد يوفّر غطاءً لإعادة الإعمار وكسر الحصار، تخشى القوى الوطنية أن يكون الثمن المطلوب هو نزع سلاح المقاومة كشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، وهو ما ترفضه الفصائل بشكل قاطع.
وأشار طه إلى أنّ النقطة الأكثر تعقيداً وإثارة للغضب الفلسطيني لا تقتصر على غياب التمثيل الفلسطيني فحسب، بل تتصل أيضاً بضمّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى عضوية المجلس. ويرى أن الفلسطينيين يعتبرون هذه الخطوة استخفافاً صارخاً بحقوقهم واستهتاراً بدماء ضحايا الحرب، إذ كيف يمكن، برأيهم، أن يكون من قاد العمليات العسكرية على غزة جزءاً من إطار يُفترض أنه مخصص لإرساء السلام وإعادة الإعمار؟
وأضاف:" أن إدخال نتنياهو في تركيبة المجلس يعمّق الشكوك حول نياته الحقيقية، ويعزز الانطباع بأن المسار المطروح قد يتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الوقائع السياسية والأمنية نفسها، بدل معالجة جذور الصراع وإنصاف الشعب الفلسطيني".
ثانياً: لجم الاعتداءات من دون "مقاومة"… هل هو خيار واقعي؟
وفي ما يتعلق بوقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في تشرين الأول 2025، لفت طه إلى أن الواقع الميداني لا يزال يشهد خروقات إسرائيلية متكررة. وبرأيه، فإن لجم هذه الاعتداءات في ظل غياب الردع العسكري يتطلب أدوات ضغط بديلة لم تنضج بعد بصورة كافية.
وعدّد في هذا السياق ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار القانوني الدولي: عبر ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية، وهو مسار يراكم ضغطاً سياسياً وقانونياً، لكنه لا يوقف عدواناً في لحظته المباشرة.
قوات الحماية أو الاستقرار الدولية: الرهان القائم اليوم على نشر قوة ذات مهام حماية فعلية لا مجرد مراقبة. إلا أن التجارب السابقة مع القوات الدولية، ومنها تجربة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، تُظهر أن فعاليتها في منع الاعتداءات ليست مضمونة دائماً.
الضغط الشعبي والدبلوماسي العربي: وهو، بحسب تقديره، لا يزال محدود التأثير في مواجهة حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تعتبر "الحسم" خيارها الاستراتيجي.
ثالثاً: أين تقف المقاومة اليوم؟
وحول واقع المقاومة في غزة عام 2026، أوضح طه أنها تمرّ بمرحلة "تكيّف صعب" بعد عامين من حرب طاحنة، مشيراً إلى أنها لا تزال قائمة هيكلياً وتتابع الخروقات بدقة، لكنها تعمل في بيئة استخباراتية وعسكرية شديدة التعقيد. واعتبر أن المرحلة الحالية هي مرحلة "صمود استراتيجي" أكثر منها مرحلة هجوم واسع.
كما لفت إلى أن المقاومة، ولا سيما حركتي حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، تواجه ضغوطاً دولية مكثفة لنزع سلاحها ضمن ما يُسمّى المرحلة الثانية من خطة السلام.
وختم بالقول إن المقاومة، وفق القراءة الحالية، لن تختفي لأنها مرتبطة بوجود الاحتلال، متوقعاً أن تتجه خلال عام 2026 إلى أشكال من "العمل الشعبي المسلح" أو إلى الاندماج في أطر وطنية لإدارة غزة، مع التمسك بسلاح الردع كخط أحمر، ما قد يُبقي القطاع في حالة "لا حرب ولا سلم" لفترة طويلة.