“ليبانون ديبايت”
في خضمّ المسار المتسارع لإطلاق مناقصة إدارة قطاع الخليوي، تتكاثر علامات الاستفهام حول آلية الإعداد والجهات التي ستتولى التنفيذ، في وقت يُفترض أن يشكّل هذا الملف مدخلًا إصلاحيًا حقيقيًا لأحد أبرز موارد الدولة. فبين حديث رسمي عن تحديث وخطة إنقاذ، تكشف مصادر مطّلعة عن معطيات تطرح تساؤلات جدية تتصل بوجهة التلزيم، وكلفة الاستشارات، ودور الجهات الناظمة، إضافة إلى توقيت الخطوات المرتقبة في ظل الاستحقاقات السياسية المقبلة.
وكشفت مصادر مطّلعة لـ”ليبانون ديبايت” عن توجّه للتعاقد مع شركات عربية لتولي إدارة القطاع، في إطار ما وصفته بـ”اتفاق شبه محسوم” يجري التحضير له بعيدًا عن الأضواء، ما يثير مخاوف من أن تكون المناقصة المرتقبة مجرّد إجراء شكلي لإضفاء طابع قانوني على خيار متخذ سلفًا.
وبحسب المصادر، تُطرح أسماء شركات من بينها “اتصالات” و”زين” التي يرأسها رجل الأعمال بدر الخرافي، والذي تربطه علاقة قوية بوزير الاتصالات شارل الحاج. وهنا تبرز إشكالية أساسية تتصل بتضارب المصالح المحتمل، وبمدى القدرة على ضمان شفافية المسار في ظل هذا التقاطع بين المصالح السياسية والإدارية والتجارية. وتضيف المصادر أن “الطبخة شبه جاهزة”، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى المناقصة إذا كانت نتائجها محسومة سلفًا.
علمًا أن هناك دعوى جزائية مُقامة في القضاء اللبناني عام 2020 ضد ممثلي شركة “زين”، قُدّمت على خلفية شبهات فساد في عملية شراء مبنى “تاتش”، وأدّت إلى دفع 100 مليون دولار ثمنًا لمبنى تُقدّر قيمته بـ22 مليون دولار، وصدر قرار عن قضاء العجلة حينها يمنع فيه تبرئة ذمة شركة “زين” وأعضاء مجلس إدارتها ربطًا بالدعوى، ولم يُبت بها إلى الآن، بالرغم من خروجها من السوق، بسبب دفوع شكلية يتقدّم بها الوزيران المعنيّان بهذا الملف، جمال الجراح ومحمد شقير، واعتبارهما أن مجلس النواب هو الجهة الصالحة لمحاكمتهما.
وكذلك يجب التذكير أن ديوان المحاسبة، في قراره الشهير القاضي بتغريم وزراء الاتصالات، أرسل طلبًا إلى وزير الاتصالات للقيام بما يلزم لاستيفاء التعويض عن الضرر البالغ (2,750,000) دولار أميركي، نتيجة قيام رئيس مجلس إدارة “تاتش” عندما كانت بإدارة “زين” والمعيّن منها، بيتر كاليوبوليس، بالرجوع عن قرار فسخ عقد الإيجار خلافًا للتعليمات المعطاة له، ورغم مطالبة الوزير بطرس حرب له بإعادة تأكيد قرار الفسخ.
وفي سياق متصل، تتوقف المصادر عند ما تعتبره “مفارقة فاقعة”، تتمثل في التوجه لإجراء مناقصة خاصة للتعاقد مع جهة استشارية (Consultant)، تتولى إعداد دفتر الشروط والإشراف على المناقصة الأساسية التي ستُفضي إلى اختيار الشركة المشغّلة. ووفق المعلومات المتداولة، قد تصل كلفة هذه الاستشارة إلى نحو مليون دولار، في وقت تعاني فيه الخزينة من عجز مزمن، ويُفترض أن تكون الأولوية لترشيد الإنفاق لا توسيعه.
وتطرح المصادر تساؤلات مباشرة حول دور وزير الاتصالات في هذا الخيار، ولماذا يتم اللجوء إلى جهة خارجية بكلفة مرتفعة لإعداد دفتر شروط، في حين أن هيئة الشراء العام ستُبلَّغ بمناقصة الاستشارة قبل إطلاق المناقصة الأساسية، ما يعني عمليًا وجود “مناقصة تسبق المناقصة”، ويكرّس مسارًا معقدًا ومكلفًا بدل اعتماد آليات أكثر بساطة وشفافية.
وفي موازاة ذلك، يبرز سؤال جوهري يتصل بفلسفة المقاربة المعتمدة: هل تقتصر مهمة “حكومة الإصلاح” على استقدام مشغّلين خارجيين لإدارة القطاع، أم أن دورها يفترض أن يبدأ بإصلاحه من الداخل ووضعه على سكة الحوكمة الرشيدة؟ فالمنطق الإصلاحي يقتضي إعداد ورقة واضحة لإعادة هيكلة شركات الخلوي، وتحسين أدائها وإنتاجيتها وزيادة إيراداتها، تمهيدًا لتهيئتها لمرحلة يمكن فيها إشراك القطاع الخاص بصورة مدروسة.
عندها فقط يصبح الحديث واقعيًا عن إدخال شريك استراتيجي يشتري حصة من هذه الشركات ضمن مسار نهائي واضح المعالم، بدل الاستمرار في حلول مؤقتة تقوم على ملكية الدولة فيما يتولى طرف آخر التشغيل. فالدولة التي تعلن التزامها بالإصلاح يفترض أن تعمل أولًا على رفع كفاءة أصولها وتعظيم قيمتها، ثم تطرح خيار إشراك القطاع الخاص بما يحقق عائدًا للخزينة، لا أن تبقى في موقع من يدفع بدل التشغيل فيما هي تعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة.
وتشير المصادر إلى أن تحميل الدولة مليون دولار إضافي تحت عنوان “استشارة” يطرح علامات استفهام حول فلسفة الإدارة المعتمدة في الوزارة، خصوصًا أن هذا القطاع يُفترض أن يكون مصدر إيراد لا بابًا جديدًا للهدر. فهل المطلوب تطوير القطاع فعلًا، أم إعادة إنتاج منظومة إدارة مكلفة تفتقر إلى المساءلة؟
وفي موازاة ذلك، تربط المصادر بين ما يُحكى عن “خطة تسعين يومًا” لتطوير القطاع، وبين الاستحقاق الانتخابي المرتقب بعد انقضاء هذه المهلة، ما يفتح الباب أمام مخاوف من استغلال المرحلة لإجراء تعيينات أو ترقيات أو استئجار مواقع جديدة وتركيب محطات إرسال في مناطق محددة، بما قد يُستخدم في سياق خدماتي أو انتخابي.
وتحذر المصادر من أن تتحول هذه الخطة المرحلية إلى مساحة لإعادة التموضع السياسي داخل القطاع، بدل أن تكون خطوة إصلاحية بنيوية تعالج مكامن الخلل المتراكمة منذ سنوات، بدءًا من الحوكمة وصولًا إلى الشفافية في التلزيمات.
وفي سياق متصل، برز سؤال نيابي موجّه إلى الحكومة بشأن تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 5 تاريخ 15/01/2026 المتعلق بتلزيم إدارة وتشغيل شبكتي الخلوي MIC1 وMIC2، حيث تضمّن حزمة استيضاحات رقابية تتصل بالأساس القانوني للمسار المعتمد، ومعايير اختيار نموذج “الإدارة والتشغيل”، ودور الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات، إضافة إلى آليات إعداد دفتر الشروط والإشراف على المناقصة.
وطلب النواب تزويد مجلس النواب بنسخة كاملة من تقرير اللجنة الوزارية التي درست الخيارات، وتوضيح ما إذا كانت قد أُجريت مقارنات مكتوبة بين البدائل المطروحة، ولماذا تم اعتماد خيار محدد دون سواه. كما ركّز السؤال على مسألة تحميل المشغّل النفقات التشغيلية والرأسمالية، وكيفية تمويلها وتسجيلها محاسبيًا، وضمان عدم تحميل القطاع أعباء غير مبررة أو إحداث التباس في ملكية الأصول التي تُعد من الأموال العامة.
كذلك أثار السؤال إشكاليات تتعلق بمفهوم “التنزيل المئوي” لصالح الخزينة، وحدود تطبيق قانون الشراء العام، وآليات الرقابة ومنع تضخيم الكلفة أو اللجوء إلى أوامر تغيير لاحقة، إلى جانب المطالبة بكشف المراسلات المتعلقة باستطلاع السوق ورأي هيئة التشريع والاستشارات، وتحديد الجدول الزمني التنفيذي للمسار المقترح.
ويعكس هذا التحرّك النيابي مناخًا متصاعدًا من الحذر حيال مسار التلزيم المرتقب، في ظل مطالبات بتوضيحات مسبقة وضمانات شفافة قبل المضي بأي خطوة تنفيذية تمس أحد أبرز موارد الدولة.
وتختم المصادر بالتشديد على أن وزير الاتصالات معنيّ مباشرة بتوضيح هذه النقاط للرأي العام، لا سيما في ما يتعلق بكلفة الاستشارة، وآلية اختيارها، وضمانات منع تضارب المصالح، وعلاقة أي شركة محتملة بالمسؤولين السياسيين. فملف بهذا الحجم لا يحتمل الضبابية، وقطاع الاتصالات ليس تفصيلًا إداريًا، بل ركيزة مالية أساسية للدولة.
في المحصلة، يبقى السؤال: هل نحن أمام مناقصة إصلاحية فعلية، أم أمام إعادة توزيع أدوار تحت عنوان جديد؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن الشفافية وحدها قادرة على تبديد الشكوك.