وفي مقال للكاتبة والمحللة العسكرية بريـن تانهيل، اعتُبر أن الحملة الجوية الأميركية ضد إيران حققت نجاحًا تكتيكيًا واضحًا حتى الآن. فقد نفذت الولايات المتحدة نحو 1700 ضربة داخل إيران، وأدت العمليات إلى إرباك القيادة الإيرانية ومقتل عشرات المسؤولين الكبار، بينهم المرشد الإيراني علي خامنئي، فيما لم تسجل القوات الأميركية سوى ستة قتلى.
لكن تانهيل تحذر من أن هذه النجاحات السريعة تخفي تكلفة استراتيجية ثقيلة، إذ إن الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءهما في الخليج يستهلكون ذخائر باهظة الثمن بمعدل مرتفع للغاية، وهو ما قد يترك تأثيرات خطيرة على القدرة العسكرية الغربية في المدى الأوسع، خصوصًا في مواجهة قوى كبرى مثل روسيا والصين.
صواريخ باهظة الثمن في مواجهة أسلحة رخيصة
يبرز المقال نوعين من الصواريخ التي تشهد طلبًا كبيرًا في ساحة المعركة. الأول هو صواريخ الاعتراض الدفاعية مثل "باتريوت" و"ثاد" (THAAD)، وهي مصممة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. أما النوع الثاني فهو الأسلحة الهجومية مثل صواريخ "توماهوك" المخصصة لضرب أهداف أرضية.
لكن المشكلة الأبرز، بحسب التحليل، تكمن في صواريخ الاعتراض. فصاروخ "ثاد" الواحد تبلغ كلفته أكثر من 12.8 مليون دولار، في حين أن الولايات المتحدة لا تنتج سوى نحو 96 صاروخًا سنويًا. ورغم أن إدارة الرئيس دونالد ترامب خصصت أموالًا لرفع الإنتاج إلى 400 صاروخ سنويًا، إلا أن تحقيق ذلك قد يستغرق ما يصل إلى سبع سنوات.
وخلال حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، استخدمت الولايات المتحدة نحو ربع مخزونها من صواريخ "ثاد" للدفاع عن إسرائيل في مواجهة الهجمات الإيرانية.
أما صواريخ "باتريوت"، التي تبلغ كلفة الواحد منها نحو خمسة ملايين دولار، فقد كانت الولايات المتحدة تنتج حوالي 370 صاروخًا سنويًا في عام 2023. ورغم زيادة الإنتاج إلى نحو 500 صاروخ في عام 2024، مع توقع وصوله إلى 650 صاروخًا سنويًا بحلول 2027، فإن التقديرات الأميركية تشير إلى أن المخزون الحالي لا يلبي سوى 25 في المئة من الاحتياجات التي يضعها البنتاغون في خططه الدفاعية.
ترسانة إيرانية ضخمة ورخيصة
في المقابل، تتمتع إيران بميزة الكلفة والإنتاج. إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إيران بدأت الحرب الحالية بنحو 2500 صاروخ باليستي، مع إمكانية إنتاج مئات الصواريخ شهريًا. وتقدّر بعض المصادر أن إيران تسعى لرفع الإنتاج إلى نحو ألف صاروخ شهريًا.
وتتراوح كلفة إنتاج الصاروخ الإيراني الواحد بين مليون ومليوني دولار، بينما قد تحتاج الدفاعات الجوية إلى إطلاق صاروخين أو ثلاثة من طراز "باتريوت" لاعتراض صاروخ واحد فقط.
كما أن إيران وروسيا تنتجان طائرات "شاهد-136" المسيّرة الانتحارية بمعدل يتراوح بين 5000 و6000 طائرة شهريًا، وبكلفة منخفضة قد تصل إلى نحو 50 ألف دولار للطائرة الواحدة. وتُستخدم هذه المسيّرات بكثافة لإغراق الدفاعات الجوية واستنزاف مخزون صواريخ الاعتراض.
وخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا العام الماضي، أطلقت إيران نحو 550 صاروخًا باليستيًا وأكثر من ألف طائرة مسيّرة نحو إسرائيل. وفي أول 48 ساعة من النزاع الحالي، أطلقت 186 صاروخًا و812 طائرة مسيّرة باتجاه الإمارات وحدها، إلى جانب استهداف تسع دول أخرى في المنطقة.
محاولة لوقف الاستنزاف
يدرك المخططون العسكريون الأميركيون هذه المشكلة، ولذلك يركزون على تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية بدل الاكتفاء باعتراض المقذوفات. وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنه تم تدمير نحو 50 في المئة من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وهو ما ساهم في تقليص وتيرة الهجمات.
لكن هذا النجاح لا يغير كثيرًا في حجم الترسانة الصاروخية التي ما زالت إيران تمتلكها ويمكنها استخدامها لاحقًا.
وفي الجانب الهجومي، تعتمد الولايات المتحدة على صواريخ "توماهوك" التي تبلغ كلفة الواحد منها نحو 2.2 مليون دولار، رغم أن هذه الأسلحة صُممت أساسًا لمواجهة أنظمة دفاع جوي أكثر تطورًا من تلك التي تمتلكها إيران، ما يجعل استخدامها في هذه الحرب مكلفًا أكثر من اللازم.
ولهذا السبب تعمل الولايات المتحدة على تطوير مسيّرات هجومية منخفضة الكلفة مشابهة لطائرات "شاهد"، ضمن مشروع يُعرف باسم "Low-Cost Uncrewed Combat Attack System"، وتبلغ كلفة الطائرة الواحدة منه بين 35 ألفًا و40 ألف دولار. إلا أن إنتاج هذا النظام لا يزال في مراحله الأولى.
تداعيات استراتيجية عالمية
ويشير المقال إلى أن استمرار العمليات العسكرية لمدة شهر أو أكثر، كما ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد يؤدي إلى استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض الأميركية خلال أيام قليلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن قطر قد تنفد لديها هذه الصواريخ خلال أربعة أيام فقط.
وفي ظل هذا الوضع، تسعى دول الخليج بشكل عاجل للحصول على دعم عسكري إضافي من واشنطن، إلا أن بعض التقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة تتردد في تلبية هذه الطلبات بسبب حاجتها إلى الحفاظ على مخزونها العسكري.
وتحذر تانهيل من أن أخطر تداعيات هذا الاستنزاف قد تكون على مستوى الردع الدولي، إذ تراقب روسيا والصين عن كثب حجم الذخائر التي تستهلكها الولايات المتحدة في هذه الحرب.
وتشير تقارير وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الصين تستعد لأن تكون جاهزة لغزو تايوان بحلول عام 2027، وقد ضاعفت منذ عام 2020 عدد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية لديها، وزادت ترسانتها الصاروخية بنحو ثلاثة أضعاف.
وبحسب المقال، فإن استنزاف المخزون الأميركي من الصواريخ قد يمنح بكين أو موسكو انطباعًا بأن ميزان القوة يميل لصالحهما، ما قد يشجع على خطوات عسكرية أكثر جرأة في المستقبل.