لم يتراجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مساعيه الهادفة إلى فتح ثغرة في جدار الأزمة المتصاعدة بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لمنع الإنزلاق نحو مواجهة واسعة يصعب احتواؤها، وتأتي تحركاته في لحظة سياسية وأمنية دقيقة، وسط تضارب في المقاربات الدولية حيال سبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار على الجبهة الجنوبية.
وتندرج اتصالات ماكرون مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ضمن مسعى فرنسي لإحياء آليات التهدئة القائمة، مع طرح أفكار جديدة أبرزها توسيع لجنة "الميكانيزم" المعنية بمتابعة وقف الأعمال العدائية، بحيث تضم إلى جانب العسكريين ممثلين مدنيين من لبنان وإسرائيل، ويهدف هذا الطرح، وفق أوساط سياسية متابعة، إلى تعزيز القنوات السياسية والتقنية التي يمكن أن تساعد في تثبيت وقف النار تدريجياً وإعادة ضبط قواعد الإشتباك.
غير أن فرص نجاح المبادرة الفرنسية لا تبدو سهلة، بحسب الأوساط، كون الموقف الأميركي، الذي يتولاه عملياً في بيروت السفير ميشال عيسى، لا يزال يميل إلى مقاربة مختلفة تقوم على الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع تشديد الضغوط على الدولة اللبنانية لمعالجة مسألة سلاح "حزب الله"، وترى واشنطن أن أي تهدئة طويلة الأمد تبقى صعبة ما لم تُعالج هذه المسألة بصورة واضحة.
في المقابل، تشير الأوساط السياسية، إلى أن المسعى الفرنسي يواجه أيضاً تعقيدات داخلية، إذ تتطلّب أي صيغة لوقف النار توافقاً لبنانياً واسعاً، ويبرز هنا دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتابع المشاورات مع باريس، ويُنظر إليه كأحد القادرين على نقل الأفكار المطروحة إلى قيادة "حزب الله"، تمهيداً لاستكشاف إمكان التجاوب معها.
وتعتبر الأوساط، أن التجاهل الذي يلتزمه الحزب حتى الآن، يؤكد ارتباط قرار الحزب بحسابات ونتائج الحرب الإقليمية في ظل العلاقة الوثيقة مع إيران، دفع باتجاه توسيع الرئيس الفرنسي لنطاق مبادرته واتصالاته إلى طهران بعد القاهرة، حيث عرض مع الجانبين، ضرورة تسوية الأزمات عبر الوسائل السلمية.
وعلى الرغم من هذه التعقيدات، تكشف الأوساط السياسية، أن حراك الرئيس ماكرون لم يتوقف رغم اصطدامه بجدار من الرفض في الوقت الحالي، كونه التحرك الوحيد في الوقت الحالي، مشيرةً إلى أنه ما زال في المربع الأول، ويواجه معارضةً واضحة من الجانب الأميركي بالدرجة الأولى، وذلك رغم إدراكه أن المقترح الفرنسي يبقى ورقةً مطروحة على الطاولة بانتظار لحظة فتح باب الديبلوماسية، ووضع نهاية للمزيد من التدهور الذي أشعل المنطقة وخلط الأوراق كلها.
وعند هذا الحدّ، تعترف الأوساط عينها، بما ظهر وما لم يظهر من عقدٍ في بيروت نتيجة الإنقسامات الحالية أولاً، وبالحسابات الإيرانية ثانياً، وبأهداف الولايات المتحدة وإسرائيل من الحرب ثالثاً، لتتوقع وجود تحدياتٍ عدة أمام أي وسيط سواء كان فرنسا أو أي طرف دولي آخر.