ومن هنا، فإن الحرب الإقليمية لن تقتصر فقط على بعدها العسكري فحسب، بل ستأخذ بعداً اقتصادياً متصاعداً يتمثل في استهداف منشآت النفط والغاز واستخدام الممرات البحرية الإستراتيجية كورقة ضغط.
ومن المعلوم أنه منذ الأيام الأولى للحرب، لجأت طهران إلى استخدام هذه الورقة الإقتصادية، لممارسة ضغطٍ غير مباشر على الغرب عبر رفع كلفة الطاقة عالمياً، حيث أن مضيق هرمز يبدو كأحد أبرز الأسلحة الإقتصادية التي تملكها إيران اليوم. وفي السياق، يؤكد رئيس معهد دراسات السوق الدكتور باتريك مارديني، أن المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، يشكّل شرياناً حيوياً لأسواق الطاقة الدولية، والتهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه انعكس فوراً على أسعار النفط والغاز.
وفي حديثٍ ل "ليبانون ديبايت"، يشير الدكتور مارديني إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس تلقائياً على الإقتصادات الغربية، بدءاً من الولايات المتحدة إلى أوروبا التي تعاني أصلاً من نقص في مصادر الغاز بعد تراجع الإمدادات الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، في وقت تعاني فيه الأسواق من هشاشة إضافية بعد تعطل بعض صادرات الغاز من منطقة الخليج.
لكن، رغم ما يتيحه مضيق هرمز من قدرة على التأثير في أسواق الطاقة، فإن مارديني يكشف أن استخدامه كسلاح اقتصادي يبقى سيفاً ذا حدين بالنسبة لإيران، فاقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط التي يمر نحو 90 في المئة منها عبر هذا الممر البحري نفسه.
وبالتالي، يعتبر مارديني أن أي إغلاق فعلي للمضيق سيؤدي أيضاً إلى تعطيل صادرات إيران النفطية، ما يعني خسارة أحد أهم مصادر دخلها، خصوصاً أن القسم الأكبر من هذه الصادرات يتجه إلى الصين.
وعن نفط الخليج، يقول مارديني إن بعض الدول الخليجية تمتلك بدائل جزئية لتجاوز المضيق، فالسعودية تستطيع تصدير جزء من نفطها عبر خط أنابيب يصل إلى البحر الأحمر، فيما تنقل الإمارات جزءاً من إنتاجها عبر خط يصل إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، غير أن دولاً مثل قطر والكويت، فتعتمد بدرجة أكبر على المرور عبر مضيق هرمز.
وعلى المستوى العالمي، يجد مارديني أن الإقفال قد يدفع إلى اضطراب طويل في الإمدادات للدول الغربية، ما قد يستدعي اتخاذ إجراءات تعويضية، سواء عبر زيادة الإنتاج النفطي أو اللجوء إلى الإحتياطات الاستراتيجية، وهو ما بدأ يحصل فعلاً، كما يمكن للولايات المتحدة أن تعزز إنتاجها من الوقود الأحفوري، في حين تمتلك الصين مخزونات كبيرة قادرة على امتصاص جزء من الصدمة.
في ضوء هذه المعطيات، يوضح مارديني أن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط اقتصادية يمنح إيران قدرةً على إرباك الأسواق العالمية، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبيرة على اقتصادها، فتعطيل الممر الذي تعتمد عليه صادراتها النفطية قد يجعل هذه الورقة، في نهاية المطاف، سلاحاً قد يرتدّ عليها بقدر ما يضغط على خصومها.