يُعد الممر الأهم في هذا الصراع هو مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وتعتمد عليه دول الخليج لتصدير النفط والغاز، وإيران تقع جغرافياً على ضفته ويمكنها تهديد الملاحة فيه، وتستخدمه كورقة ضغط إذا تعرضت لهجوم أو حصار. ويُضاهيه في الأهمية الممر الإقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي(اختصاراً IMEC) الذي يجري إنجازه، وهو طريق تجاري ضخم يربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط (الإمارات، السعودية، الأردن، إسرائيل ثم أوروبا)، وقد جمّدت الحرب الحالية المشروع عملياً لعدة أسباب عدم الإستقرار الأمني، وتعطّل طرق النقل الجوية والبحرية بين آسيا وأوروبا ورفع تكاليف الشحن، لذلك لا يمكن تنفيذ مشروع بنية تحتية ضخم في منطقة غير مستقرة، ومصيره الحقيقي سيتحدد بعد إستقرار الشرق الأوسط، لأنه جزء من منافسة عالمية على طرق التجارة والطاقة، ولذلك تؤثر الحروب في المنطقة بشكل مباشر على مستقبله.
قانصو: IMEC بين الحرب والجغرافيا السياسية
يُقارب الخبير المالي والإقتصادي الدكتور واجب قانصو، ملف الممرات على أنها أحد الأسباب الرئيسية للحرب الدائرة حاليا، ويشرح ل"ليبانون ديبايت" أنه "عندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، ركّزت العناوين العاجلة في البداية على إغتيال المرشد الأعلى، وعلى وابل الصواريخ الإنتقامية عبر الخليج، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. غير أنّ بُعدًا آخر أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل تأثيرًا، مرّ دون إهتمام يُذكر: مصير الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف إختصارًا باسم IMEC"، لافتا إلى أنه "قبل يومين من سقوط أول الصواريخ على طهران، وقف رئيس الوزراء الهندي أمام الكنيست الإسرائيلي داعيًا إلى تعزيز التعاون من خلال ممر IMEC واطار التعاون ما بين الهند، واسرائيل، والإمارات العربية أو المعروف بـ I2U2. ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة. فمشروع IMEC — وهو ممر تجاري متعدد الوسائط مخطط له يربط الموانئ الهندية بأوروبا عبر الخليج والسعودية والأردن وإسرائيل — يُعدّ أحد أكثر مشاريع البنية التحتية طموحًا في هذا القرن، وأحد أقل العوامل فهمًا التي تشكّل المشهد الإستراتيجي الحالي".
ما القيمة الحقيقية لممر IMEC؟ يجيب قانصو: "الأرقام كبيرة ومؤثرة. فمن شأن ممر IMEC أن يقلّص زمن نقل البضائع بين الهند وأوروبا من 24 يومًا إلى نحو 12–14 يومًا فقط، أي إنخفاض يقارب 40 بالمئة، كما يُتوقَّع أن تنخفض تكاليف الخدمات اللوجستية بنحو 30 بالمئة. ولا يقتصر هذا الممر على ربط السكك الحديدية لنقل البضائع والشحن البحري، بل يشمل أيضًا خطوط أنابيب الطاقة، والكابلات الرقمية البحرية، وبنية تحتية للهيدروجين، ومناطق تصنيع متقدمة"، مشيرا إلى أن "التقديرات الأولية لتكلفة كل جزء من المشروع تراوحت بين 3 و8 مليارات دولار، إلا أن المجلس الأطلسي أشار إلى وجود فجوة تمويلية تبلغ 5 مليارات دولار لمسار الأردن–إسرائيل وحده، بينما يقدّر صندوق مارشال الألماني الكلفة الإجمالية لتنفيذ المشروع بالكامل بنحو 500 مليار يورو".
يضيف:"بالنسبة لدول الخليج، يشكّل IMEC حجر زاوية في إستراتيجيات تنويع الإقتصاد بعد النفط. أما بالنسبة للهند، فهو بمثابة بوليصة تأمين ضد الهشاشة المزمنة لمسار قناة السويس – البحر الأحمر. وبالنسبة لأوروبا، يُعد المشروع فرصة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد والإستقلالية الإستراتيجية في لحظة تواجه فيها هاتان المسألتان ضغوطًا شديدة"، موضحا أن "الولايات المتحدة، تنظر إلى المشروع بإعتباره الركيزة الأساسية لبديل قائم على القواعد في مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، بديلٌ يعمّق تطبيع العلاقات بين الخليج وإسرائيل، ويعزّز العلاقة الإقتصادية بين الولايات المتحدة والهند، ويخلق حوافز تجارية لدول المنطقة للبقاء ضمن إطار إقتصادي وإستراتيجي مائل نحو الغرب"، ويشدد على أن "المنطق الإقتصادي الذي يربط ممر IMEC بالحرب الدائرة اليوم، يكمن في أن إيران، بفضل قدراتها في الصواريخ الباليستية، وشبكات حلفائها المُمتدة من لبنان إلى اليمن، وقدرتها على تهديد أو إغلاق مضيق هرمز، تمثل أكبر خطر أمني منفرد على تشغيل هذا الممر، فلا مُستثمر خاص سيضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية للموانئ، وخطوط السكك الحديدية، وممرات الطاقة الواقعة ضمن مدى الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة الحوثية، ولا شركة تأمين ستغطي عمليات تجارية على طول ممر يمكن لإيران تعطيل نقاطه الحساسة متى شاءت، كما لن يُغامر أي صندوق سيادي بتوظيف رأس المال في مشروع شرطه السياسي الأساسي — التطبيع بين إسرائيل والسعودية — وهو أمر عملت إيران بشكل منهجي على منعه".
يرى قانصو أن "المُفارقة القاسية تكمن في أن الحرب التي قد تزيل في نهاية المطاف إيران كتهديد بنيوي أمام ممر IMEC، هي نفسها التي تُدمّر في المدى القريب فرص هذا المشروع"، داعيا "للنظر إلى حجم الأضرار خلال الأيام العشرة الأولى فقط. فقد أُغلق مضيق هرمز فعليًا، وهو الممر الذي يمرّ عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. وقفز سعر خام برنت إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل. كما أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال وأعلنت حالة القوة القاهرة . في الوقت نفسه، إستهدفت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية الإمارات والسعودية والبحرين والأردن والكويت — وجميعها دول شريكة في مشروع IMEC، كما إندلع حريق في ميناء جبل علي في دبي نتيجة سقوط حطام صاروخ تم إعتراضه، وبلغت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أعلى مستوياتها منذ ست سنوات، بينما تقف أكثر من 150 ناقلة نفط راسية في مياه الخليج المفتوحة، من دون أن تتحرك إلى أي وجهة".
ويتوقع أن "تكون التداعيات قاسية بالنسبة إلى IMEC، فالمستثمرون في القطاع الخاص يُقيمون مشاريع البنية التحتية وفق علاوات المخاطر الجيوسياسية، وهذه العلاوات إرتفعت الآن بشكل كارثي عبر كامل جغرافية الممر. كما يواجه الإتحاد الأوروبي — الذي يعاني أصلاً من صعوبة تعبئة رأس المال بالتوازي مع إعادة تمويل قدراته الدفاعية — ضغوطًا مالية إضافية"، مشيرا إلى أن "دولة الإمارات العربية المُتحدة قد تضطر إلى إبطاء التزاماتها في مشروع IMEC — على الأقل بشكل علني — لتجنب المزيد من الردود الإيرانية. وفي الوقت ذاته، أصبح إحتمال التطبيع بين إسرائيل والسعودية، الذي يعتبره كثير من المحللين شرطًا أساسيًا لتشغيل الممر بالكامل، أبعد من أي وقت مضى، لا أقرب، مع تعرض دول الخليج لضربات إيرانية على أراضيها السيادية".
ويعتبر أن "IMEC يوفّر المنطق الإقتصادي الذي يربط هذه المصالح المتباينة ضمن إطار إستراتيجي مُشترك. فهو بمثابة الخيار طويل الأمد لإعادة تشكيل المنطقة، وقيمته الفعلية اليوم تعتمد بالكامل على البيئة الأمنية التي تهدف هذه الحرب إلى فرضها".
ما بعد IMEC الصدمة الاقتصادية الأوسع؟
يرى قانصو أن"التداعيات الاقتصادية لا تقتصر على ممر IMEC وحده، بل تمتد إلى ما هو أبعد بكثير. فأزمة مضيق هرمز لم تعطل فقط إمدادات النفط الخام، بل أثرت أيضًا على نحو 30 بالمئة من إمدادات وقود الطائرات في أوروبا، و20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وما يقارب ثلث تجارة الأسمدة في العالم"، لافتا إلى أن "جنوب آسيا يواجه مستوى التعرض الأكبر لهذه الصدمة. فـالهند تستورد أكثر من 60 بالمئة من نفطها من الشرق الأوسط، بينما تعتمد باكستان وبنغلادش بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات لتلبية وارداتهما من الغاز. وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أنه إذا استمر إغلاق المضيق لأسابيع، فإن أسعار النفط ستبقى عند مستويات ثلاثية الأرقام، ما سيجعل التضخم في الولايات المتحدة مشكلة هيكلية مستمرة. كما حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من أن هذه الصدمة ستؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية، وارتفاع معدلات التضخم، ودفع الاقتصادات الهشة نحو حافة الركود".
و يشدد على أنه "قد تبرز روسيا كمستفيد غير مقصود من هذه التطورات. فمع تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، تزداد حوافز كل من الهند والصين لتعميق اعتمادهما على النفط الروسي، وهو ما يعزز الموقع التنافسي لموسكو في لحظة تسعى فيها السياسات الغربية أساسًا إلى إضعافها".
ما الذي سيحدث لاحقًا؟ يتوقع قانصو ثلاثة سيناريوهات:
-السيناريو الأساسي: أي أن يتجه الصراع نحو خفض التصعيد خلال شهر إلى ثلاثة أشهر، ويُعاد فتح مضيق هرمز، مع تحقيق قدر من الردع الجزئي لإيران. في هذا الوضع، يعود مشروع IMEC إلى الحياة تدريجيًا خلال 2027–2028، حيث تتقدم أولًا المقاطع البحرية في الخليج، بينما يتأخر المسار البري الأردن–إسرائيل بانتظار تطبيع سياسي. يُعد هذا السيناريو الأكثر احتمالًا، لكنه يعني تأجيل الجدول الزمني للممر سنتين على الأقل.
-السيناريو المتفائل:تنجح الحملة العسكرية بشكل شامل، بحيث تتعرض القدرات العسكرية الإيرانية لضرر يفوق قدرتها على التعافي، ويحدث تحول جوهري في بنية الحكم، يتبعه تطبيع سعودي–إسرائيلي. في هذه الحالة يتسارع تنفيذ IMEC، وقد يصل إلى قدرة تشغيلية جزئية بحلول عام 2030 مع إقبال قوي من المستثمرين. هذا السيناريو ممكن نظريًا، لكنه يتطلب انتقالًا سياسيًا بعد الحرب أكثر سلاسة مما يبدو واقعيًا.
-السيناريو المتشائم: يتحول الصراع إلى نزاع طويل الأمد، ويبقى مضيق هرمز معطلًا لأشهر، بينما تتعرض البنية التحتية في الخليج لأضرار مستدامة، ويتعمق التشظي الإقليمي. في هذه الحالة يدخل مشروع IMEC في تعليق غير محدد المدة. وفي المقابل، تكتسب ممرات بديلة أفضلية نسبية، مثل طريق التنمية العراقي عبر تركيا، وميناء تشابهار الإيراني، أو المسارات الإلتفافية عبر عُمان.
ويختم قانصو:"ممر IMEC مشروع حقيقي وذو أهمية كبيرة، ويُعدّ أحد الرهانات الاستراتيجية الفعلية في هذا الصراع. لكنه يوجد اليوم في حالة تعليق إستراتيجي، عالقًا بين حربٍ تؤكد مبررات وجوده، والحرب نفسها التي تُدمّر قابليته للتنفيذ في المدى القريب. فالممر هو في الوقت ذاته الدليل على الفكرة وأحد أبرز ضحاياها. بالنسبة إلى المستثمرين، الرسالة واضحة: ينبغي التعامل مع الفرص المرتبطة بـ IMEC بإعتبارها إستثمارات طويلة الأجل ذات طابع اختياري مرتفع، لكنها تحمل مخاطر كبيرة على المدى القريب.أما بالنسبة إلى صنّاع القرار، فالتحدي أكثر وضوحًا: ما لم يُحسم الصراع الحالي بسرعة ويتبعه إطار أمني إقليمي موثوق، فإن IMEC قد ينضم إلى القائمة الطويلة من المشاريع الكبرى للبنية التحتية التي تعثرت بسبب الفجوة بين الطموح الجيوسياسي والواقع المالي. لقد إستمرت طرق التجارة القديمة بين آسيا وأوروبا لآلاف السنين لأنها قامت على معادلة واضحة: ازدهار متبادل مقابل أمن متبادل، ويعد IMEC بالمعادلة نفسها. لكن السؤال هو: هل يدرك مهندسو هذه الحرب أنه لا يمكن بناء ممرٍ تجاري عبر إشعال النار في الطريق أولًا؟".