في هذا الإطار، كشف رئيس اللجنة جورج عيناتي، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أنّ معطيات مقلقة وصلت إلى اللجنة، تفيد بأن جهات نافذة وسماسرة يتحركون لإعادة تشغيل مقالع شركات الترابة، رغم سجلّها الحافل بالمخالفات البيئية والقانونية. ولفت إلى أن هذه التحركات تجري مستفيدة من انشغال اللبنانيين بالحرب الدائرة، وسط اعتقاد لدى هذه الجهات بأن أي اعتراض شعبي سيتراجع في ظل الظروف الراهنة.
وأشار عيناتي إلى أنّ القرى المحيطة بهذه المقالع دفعت أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية، سواء على المستوى الصحي أو البيئي، حيث سُجّل ارتفاع خطير في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية وأمراض القلب والجهاز التنفسي، إضافة إلى تشوّهات جينية وأوبئة زراعية غير مسبوقة. واعتبر أنّ ما يحصل لم يعد مجرد أزمة بيئية، بل تحوّل إلى كارثة وطنية وإنسانية تهدّد ما تبقى من سكان متمسّكين بأرضهم في الكورة والشمال.
وأضاف أنّ الخطر لا يقتصر على الغبار والانبعاثات، بل يتعدّاه إلى ما وصفه بـ"القنبلة البيئية المدفونة"، في إشارة إلى النفايات الصناعية السامة التي جرى طمرها داخل المقالع، فوق خزانات المياه الجوفية، ولا سيما في منطقة الجرادي، ما يهدد سلامة المياه والتربة على حد سواء.
وشدّد عيناتي على أنّ اللجنة لن تقف مكتوفة الأيدي، مؤكّدًا الاستعداد لكشف وملاحقة كل من يثبت تورطه في محاولات إعادة تشغيل هذه المقالع والأفران، ومعتبراً أنّ أي جهة تسهّل ذلك تتحمّل مسؤولية مباشرة في تعريض حياة المواطنين للخطر ودفعهم نحو الهجرة القسرية من أراضيهم.
كما وجّه تحذيرًا واضحًا إلى المسؤولين المعنيين، داعيًا إياهم إلى عدم الانجرار خلف ما وصفه بـ"حملات التضليل" التي تقودها بعض الجهات المرتبطة بشركات الترابة، ومشدّدًا على أنّ أهالي المنطقة يرفضون بشكل قاطع إعادة تشغيل المقالع أو أفران الفحم الحجري والبترولي، كما يرفضون أي مشاريع تأهيل شكلية لا تعالج أصل المشكلة.
وفي طرح بديل، دعا عيناتي إلى اعتماد خيار استيراد الإسمنت من الخارج مع إعفائه من الرسوم، بالتوازي مع استمرار استيراد الكلينكر، معتبرًا أنّ هذا الحل يجنّب لبنان كلفة بيئية وصحية باهظة. كما طالب بمحاسبة أصحاب شركات الترابة في شكا والهري، وإلزامهم بدفع الرسوم والغرامات البيئية المتراكمة، والتي تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، على أن تُخصّص هذه الأموال لتعويض القرى المتضررة وإعادة تأهيل ما دمّرته سنوات من الاستنزاف.
وختم بالتأكيد أنّ المعركة اليوم لم تعد بيئية فقط، بل هي معركة وجود، بين من يتمسّك بالحياة على أرضه، ومن يسعى لتحويلها إلى أرض ملوّثة خالية من أهلها.