في ظل التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى مستوى جديد، قد يشمل عمليات أمنية خارج ساحات القتال التقليدية، تستهدف ما يُعرف بـ"الأهداف السهلة" حول العالم.
وبحسب تقرير للكاتب ماثيو ليفيت في مجلة Foreign Affairs، رفعت السلطات الأميركية مستوى التأهب الأمني في البلاد مع انطلاق العملية العسكرية في ايران، تحسبًا لهجمات محتملة تنفذها إيران أو حلفاؤها. ويأتي ذلك بعد أيام من الضربات الأميركية – الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، حيث بث "فيلق القدس" رسالة عبر التلفزيون الإيراني حذر فيها من أن "أيام العدو السعيدة انتهت، ولن يكون آمنًا في أي مكان في العالم".
ومنذ ذلك التهديد، تم ربط عناصر تعمل لصالح طهران بمحاولات هجمات في عدة دول، بينها أذربيجان، الكويت، قطر، الإمارات، والمملكة المتحدة. كما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى احتمال سعي إيران لتفعيل "خلايا نائمة" داخل الولايات المتحدة.
ويشير التقرير إلى أن إيران لطالما استخدمت الإرهاب كأداة في سياستها الخارجية، سواء لدعم حلفائها في المنطقة أو لترهيب خصومها، من معارضين إيرانيين وإسرائيليين ودبلوماسيين غربيين. إلا أن طهران كانت في السابق تعتمد سياسة "الإنكار المقبول" وتتجنب العمليات التي قد تؤدي إلى ردود فعل قاسية.
غير أن المعطيات الحالية تبدو مختلفة، إذ يرى ليفيت أن النظام الإيراني بات يعتبر نفسه في مواجهة تهديد وجودي، خاصة بعد استهداف قياداته العليا والحديث المتزايد في واشنطن وتل أبيب عن تغيير النظام. هذا الواقع، بحسب التقرير، قد يدفع طهران إلى التخلي عن حذرها التقليدي واللجوء إلى عمليات أكثر جرأة، حتى لو كانت ذات كلفة عالية.
وفي هذا السياق، يُرجّح أن إيران قد تسمح بتنفيذ طيف واسع من العمليات، تتراوح بين هجمات محدودة وأخرى قد تُسفر عن أعداد كبيرة من الضحايا، في محاولة لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة داخليًا، والضغط على الإدارة الأميركية لإنهاء النزاع.
ويستند هذا التقدير إلى سجل طويل من النشاطات، حيث أُحبطت في السنوات الماضية عدة مخططات مرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة، من بينها محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن عام 2011، إضافة إلى شبكات "خلايا نائمة" تابعة لحزب الله، بينها عنصر خزن نحو 300 رطل من مواد متفجرة في ولاية تكساس.
كما يشير التقرير إلى أن إيران اعتمدت في بعض الحالات على شبكات إجرامية لتنفيذ عملياتها، بهدف الحفاظ على هامش إنكار، بما في ذلك محاولة اغتيال ناشطة إيرانية في نيويورك عبر الاستعانة بعناصر من المافيا الأذربيجانية، إضافة إلى تجنيد مجرمين عبر تطبيقات مثل "تلغرام".
وفي التطورات الأخيرة، أعلنت عدة دول إحباط مخططات إيرانية، من بينها محاولات لاستهداف دبلوماسيين إسرائيليين في الإمارات، وخلايا في قطر كانت تجمع معلومات عن بنى تحتية حساسة، إضافة إلى اعتقالات في بريطانيا على خلفية مراقبة مواقع مرتبطة بالجالية اليهودية، ومخططات في أذربيجان استهدفت خط أنابيب وسفارة إسرائيلية ومواقع دينية.
ويؤكد التقرير أن هذه الأنشطة قد تتصاعد، خصوصًا مع تزايد شعور طهران بأنها "لا تملك ما تخسره"، وهو ما دفع، وفق مسؤول إسرائيلي، إلى تغيير في العقيدة العملياتية، يقوم على تنفيذ أي هجوم ممكن دون قيود، مع توسيع دائرة التجنيد لتشمل شبكات إجرامية ومقاتلين و"ذئاب منفردة".
وفي موازاة ذلك، حذرت أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن رسائل مشفرة يُعتقد أنها صادرة من إيران قد تكون بمثابة "إشارة تشغيل" لخلايا نائمة في الخارج، فيما أشارت تقديرات حديثة إلى احتمال تنفيذ هجمات فردية بدوافع دينية وانتقامية.
ورغم أن معظم هذه المحاولات فشلت حتى الآن، إلا أن التقرير يحذر من خطورة الاستهانة بها، إذ يكفي نجاح عملية واحدة لإحداث تأثير كبير. ويخلص إلى أن ضعف إيران العسكري والسياسي قد لا يقلل من خطرها، بل قد يزيده، مع تراجع "الصبر الاستراتيجي" الذي طبع سلوكها سابقًا.
في المحصلة، يضع التقرير المنطقة والعالم أمام احتمال انتقال إيران إلى نمط أكثر خطورة من المواجهة، حيث يصبح الإرهاب خيارًا مطروحًا بقوة لدى نظام يرى نفسه في معركة وجودية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد غير التقليدي.