المحلية

وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت
الأربعاء 25 آذار 2026 - 13:06 ليبانون ديبايت
وليد خوري

وليد خوري

ليبانون ديبايت

الوزير المتهور والقرار المشبوه

الوزير المتهور والقرار المشبوه

“ليبانون ديبايت” - وليد خوري


في توقيت إقليمي بالغ الخطورة، حيث المنطقة على شفير انفجار واسع، يأتي قرار وزير الخارجية منفرداً بطرد السفير الإيراني من بيروت، كخطوة لا يمكن وصفها إلا بالمتهوّرة سياسياً، والخطيرة وطنياً، والمشبوهة في حساباتها.


فالخطورة لا تكمن فقط في مضمون القرار، بل في سابقة اتخاذه، ففي تاريخ لبنان الحديث، لم تُسجّل قرارات طرد سفراء بهذا الحجم وبقرار فردي من وزير، حتى في أكثر المراحل توتراً، حيث كانت القرارات الدبلوماسية الكبرى تمر عبر مجلس الوزراء، أو تأتي في سياق تسويات سياسية دقيقة، لا عبر نزوات سياسية أو استعراضات شعبوية. من هنا، لا يبدو ما حصل مجرد خطأ في التقدير، بل انحراف واضح عن الأصول الدستورية والسياسية التي تنظّم عمل الدولة.


التهوّر هنا مزدوج: في الشكل وفي المضمون. فقرار بهذا الحجم لا يُتخذ ببيان، بل بمسار دستوري واضح يمرّ عبر مجلس الوزراء، ليكون قراراً جامعاً تتحمّل مسؤوليته الدولة بكل مكوّناتها، لا وزيراً ولا حزباً، أما الاستفراد، فهو نقل للقرار من كونه سيادياً إلى كونه حزبياً، ومن كونه مسؤولية وطنية إلى مغامرة سياسية ضيّقة.


وعليه، لا يمكن التعامل مع هذه الخطوة كإجراء دبلوماسي عادي. نحن أمام قرار يضع لبنان مباشرة في قلب صراع إقليمي مفتوح، ويدفع به إلى اصطفاف لا قدرة له على تحمّل تبعاته، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. الأخطر من ذلك، أنه يُزجّ بالمسيحيين تحديداً في مواجهة مع طائفة أساسية في الداخل، ومع دولة إقليمية بحجم إيران، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على السلم الأهلي.


وهنا، لا بد من التوقف عند النقطة التي سيحاول البعض استخدامها للالتفاف على أصل المشكلة، فكل من ينتقد هذا القرار سيُسأل فوراً: هل أنت مع إيران؟ هل تدافع عن حزب الله؟ وكأن النقاش يجب أن يبدأ بإعلان ولاءات، لا بمحاسبة قرار.


هذه المقاربة بحد ذاتها هي المشكلة. لأنها تحوّل النقاش من مسألة تمس الدولة والمؤسسات إلى بازار اتهامات، بينما الحقيقة أبسط: الاعتراض ليس على طرد سفير بحد ذاته، بل على الطريقة، وعلى التوقيت، وعلى الجهة التي قررت وحدها باسم بلد كامل إتخاذ قرار بهذا الحجم من الأهمية.

الاعتراض هو على زج لبنان في صراع إقليمي لا طاقة له عليه، وعلى تحميل فئة من اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين، تبعات قرار لم يُتخذ باسمهم ولا بموافقتهم.


من هنا، يصبح النقاش واضحاً: ليس المطلوب من أحد أن يبرّر موقفه بإعلان أنه ضد هذا الطرف أو ذاك، بل المطلوب تفسير كيف يُتخذ قرار بهذه الخطورة خارج مجلس الوزراء؟ وكيف يُزج بلد هش في مواجهة مفتوحة؟ ولماذا يُدار ملف بهذا الحجم بعقلية تسجيل النقاط السياسية؟


وفي هذا السياق، لا يمكن فصل القرار عن الجهة التي صدر عنها،حين يصدر عن وزير محسوب على “القوات اللبنانية”، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع لا تُقرأ كخطوة دبلوماسية باردة، بل كإشارة سياسية مشحونة بطابع طائفي، وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف سيُترجم هذا القرار في الشارع؟ وكيف سيُفهم في بيئة شيعية تعيش أصلاً حالة احتقان؟ ألن يتحوّل إلى مادة توتير إضافية؟


ومن يتحمّل النتائج؟ من يحمي القرى المختلطة؟ من يضمن ألا يتحول أي احتكاك بسيط إلى شرارة توتر أكبر؟ لبنان ليس بلداً نظرياً، بل ساحة دقيقة التوازن، وأي قرار غير محسوب قد ينعكس مباشرة على الناس في حياتهم اليومية.


ولعل الأخطر أن هذا القرار يأتي في بلد منهك اقتصادياً ومفكك سياسياً، يُفترض أن يبحث عن التهدئة لا عن التصعيد، وعن تحييد نفسه لا عن إدخال نفسه في صراعات أكبر منه، لكن ما حصل يعكس توجهاً معاكساً تماماً، حيث يتم التعامل مع لبنان وكأنه قادر على تحمّل مغامرات سياسية، فيما هو في الواقع بالكاد يصمد.


هنا، لا يعود الأمر مجرد خطأ سياسي، بل يتحوّل إلى مقامرة فعلية،مقامرة بأمن اللبنانيين، وبالتوازن الداخلي، وبموقع لبنان الإقليمي، وكأن المطلوب تحقيق مكسب سياسي لحزب، حتى لو كان الثمن تعريض فئة كاملة من اللبنانيين لمخاطر لا قدرة لهم على مواجهتها.


من هذا المنطلق، يصبح من المشروع طرح السؤال المباشر: لماذا لم يُطرح القرار على مجلس الوزراء؟ وإذا كان بهذا الحجم من الأهمية، فلماذا لم تُوزّع مسؤوليته على كامل السلطة التنفيذية؟ أم أن الاستفراد كان مقصوداً، لتحويله إلى إنجاز سياسي خاص؟


في الخلاصة، ما جرى لا يمكن تصنيفه ضمن إطار العمل الدبلوماسي الطبيعي، بل هو كسر خطير للأعراف التي حافظت، ولو بالحد الأدنى، على استقرار لبنان في أصعب المراحل، إنه قرار يعكس ذهنية شعبوية، تتقدّم فيها الحسابات الضيّقة على المصلحة الوطنية.


وعليه، يبقى السؤال: هل نريد دولة تُدار بالمؤسسات، أم دولة تُدار بالقرارات الفردية؟ وهل يجوز أن يُختصر لبنان بقرار وزير، وأن يُدفع شعبه إلى مواجهة لا يريدها ولا يحتملها؟

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة