"ليبانون ديبايت"
في ظلّ تصاعد التوترات السياسية والدبلوماسية في لبنان، ولا سيما على خلفية قرار وزارة الخارجية وما أثاره من انقسام داخلي، تتزايد المخاوف من تداعيات هذا المشهد على الاستقرار الداخلي في مرحلة دقيقة يمرّ بها البلد، بالتوازي مع استمرار العدوان الإسرائيلي والتشابكات الإقليمية.
في هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي، في حديثٍ لـ "ليبانون ديبايت"، أنّ قرار وزير الخارجية لا يزال ملتبسًا لجهة ما إذا كان قد تمّ بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية أم لا، مشيرًا إلى أنّها ليست المرّة الأولى التي يقوم فيها وزير الخارجية يوسف رجي بإطلاق تصريحات أو اتخاذ مواقف أو القيام بتصرفات لا تصبّ في مصلحة وطنية، ولا في مصلحة الحكومة، ولا في مصلحة اللبنانيين، بل تخدم جهات أخرى.
وزير خارجية القوات
واعتبر ريفي أنّ الوزير، منذ تولّيه مهامه، يتصرّف وكأنّه وزير خارجية "القوات اللبنانية"، ويتحرّك وفق أهواء رئيسها وتوجّهاتها السياسية، في حين أنّ موقع وزير الخارجية يفترض أن يكون انعكاسًا للموقف الرسمي اللبناني الصادر عن الحكومة مجتمعة، أو عن رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة، لافتًا إلى أنّه حتى الآن لم يصدر أي تأكيد رسمي حول هذا القرار من قبل رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة.
وأشار إلى أنّ رئيس الجمهورية معنيّ بإصدار موقف واضح حيال هذا القرار الذي أدّى إلى انقسام داخلي وتبادل تصريحات وتصريحات مضادة، وصبّ الزيت على النار في بلد لا يحتمل مزيدًا من الأزمات، خصوصًا في ظل العدوان الإسرائيلي.
لا تعويل على رئيس الحكومة
كما اعتبر أنّه لم يعد هناك من يعوّل على رئيس الحكومة، متهمًا إياه بعدم ممارسة مهامه بالشكل المطلوب، وبالعجز عن ضبط إيقاع وزير الخارجية، ومشيرًا إلى أنّ صمته قد يُفسَّر إمّا رضًا بما يحصل، أو عجزًا عن المواجهة، أو خشية من تفجير الحكومة من الداخل، وفي الحالات الثلاث يعكس ذلك ضعفًا في موقع رئاسة الحكومة.
وأضاف أنّ اجتماعًا وزاريًا سيُعقد، مؤكدًا ضرورة أن يصدر موقف واضح عن رئيس الحكومة، لا سيما أنّه كان قد صرّح في خطاب الفطر بأن أي انقسام داخلي يصبّ في خدمة العدو الإسرائيلي، متسائلًا عمّا إذا كان قد نسي أنّ تكليف الجيش بمواجهة المقاومة في ظل الحرب قد يؤدي إلى انقسام خطير.
وشدّد ريفي على أنّ قرار وزير الخارجية الفتنوي من شأنه أن يثير الفتنة ويؤدي إلى انقسام بين اللبنانيين، ويزيد من التوتر في مرحلة حساسة، معتبرًا أنّ ذلك يصبّ في مصلحة إسرائيل في زمن الحرب والعدوان والتصعيد الإقليمي.
تبريرات مثيرة للسخرية
وفي ما يتعلق بربط القرار بمحاصرة المقاومة، أوضح أنّه لا يعتقد أنّ هذا القرار يهدف إلى ذلك، لأنّ المقاومة لا تتلقّى أوامر أو توجيهات من السفير الإيراني، ولا يجوز ربطها به، لما في ذلك من إساءة لها، معتبرًا أنّ السفير الإيراني، شأنه شأن أي سفير، يمارس عمله الدبلوماسي في إطار العلاقات بين لبنان وإيران، وإن كان يتمتع برمزية خاصة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
ورأى أنّ القرار يمكن وضعه في إطار استفزاز هذه الشريحة، لافتًا إلى أنّ التبريرات التي قُدّمت بشأن اتخاذ إجراءات بحق السفير الإيراني، بحجة تدخله في الشؤون اللبنانية أو قيامه بزيارات من دون تنسيق، تثير السخرية في بلد كلبنان، حيث الشؤون الداخلية مفتوحة على مختلف أشكال التدخلات.
وأشار إلى أنّه، فور تعيين يوسف رجي وزيرًا للخارجية، تمّ استدعاؤه إلى السفارة الأميركية في عوكر، حيث تلقّى توجيهات، بدلًا من أن تتم الزيارة في وزارة الخارجية، معتبرًا أنّ هذا الأمر يختصر الكثير من الوقائع.
الأجواء تمهّد للفتنة
وفي قراءته للمشهد الداخلي، حذّر ريفي من أنّ الأجواء الحالية قد تمهّد لفتنة داخلية، مستشهدًا بالمقولة "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"، ومشيرًا إلى أنّ بعض القوى السياسية انتقلت من تبنّي السردية الإسرائيلية إلى دعم توجّهاتها، وصولًا إلى حدّ الدعوة لضرب مناطق لبنانية، بالتوازي مع انفلات غير مسبوق في الخطاب الإعلامي والسياسي.
واعتبر أنّ هذا الانفلات الخطير يستدعي موقفًا حاسمًا، مرجّحًا أن يكون الدور الأبرز في هذا الإطار لرئيس الجمهورية، الذي سبق أن تدخّل لوقف الهجوم على المؤسسة العسكرية، داعيًا إياه إلى اتخاذ موقف مماثل لوضع حدّ للتصعيد الحالي.
وأشار إلى أنّ تأكيد رئيس الجمهورية، في مناسبة عيد البشارة، على عدم حصول حرب أهلية، لا يكفي بحدّ ذاته، إذ إنّ درء هذا الخطر يتطلّب ممارسات فعلية تقوم على إعادة بناء القواسم المشتركة بين اللبنانيين، في ظل تراجعها بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
ضرب لإيجابية لقاء عون - بري
كما لفت إلى أنّ اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية برئيس مجلس النواب نبيه بري، وما نتج عنه من تخفيف للاحتقان، قد لا يكون قد خدم مصالح بعض الجهات، التي قد تكون سعت إلى إعادة توتير الأجواء، وربما جاءت هذه التطورات في إطار محاولة لضرب هذه الإيجابية.
وختم ريفي محذّرًا من أنّ البلاد قد تكون أمام مخطط لدفعها نحو الفتنة، مشددًا على ضرورة مواجهته، لأنّ الانزلاق إلى هذا المسار سيؤدي إلى مستنقع لا يمكن الخروج منه، معتبرًا أنّ اللبنانيين، إذا خُيّروا بين استمرار العدوان الإسرائيلي أو الوقوع في حرب أهلية، فإنهم سيختارون تحمّل العدوان ألف عام على الوقوع في فتنة داخلية ليوم واحد.