قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، إن "لا أحد يعرف مع من يجب التحدث"، في إشارة إلى ما وصفه بحالة من الفوضى والفرص داخل القيادة الإيرانية، مضيفاً: "لكننا في الواقع نتحدث مع الأشخاص المناسبين، وهم يريدون إبرام صفقة بشدة".
وتأتي تصريحاته في وقت تؤكد فيه الولايات المتحدة أنها منخرطة في محادثات مع شخصية إيرانية "رفيعة"، فيما تواصل طهران نفي إجراء أي مفاوضات مباشرة. وبات السؤال المطروح لا يقتصر على ما إذا كانت هذه المحادثات تجري بالفعل، بل يمتد إلى ما إذا كان هناك في طهران من يمتلك السلطة الكافية لاتخاذ القرار.
مع الضربات الأميركية – الإسرائيلية التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة، وتصاعد التصدعات الداخلية، تبدو إيران أقل شبهاً بنظام ديني مركزي، وأكثر قرباً من نظام حرب تديره مراكز قوى متداخلة، يتصدرها الحرس الثوري الإيراني.
وتشير تقييمات استخباراتية وتقارير حديثة إلى نتيجة متكررة مفادها أن الحرس الثوري بات القوة المهيمنة في النظام السياسي الإيراني.
وبحسب "فوكس نيوز"، قال بهنام بن طالبلو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، إن المرحلة الحالية تُسرّع اتجاهاً قائماً منذ فترة طويلة، موضحاً: "لا شك أن حرب الأيام الـ12 وهذا الصراع الحالي قلّصا مواقع القيادة العليا في النظام السياسي والعسكري للجمهورية الإسلامية، لكنهما أيضاً سرّعا الاتجاهات الكامنة في السياسة الإيرانية، والمتمثلة في هيمنة الأجهزة الأمنية وصعود الحرس الثوري".
وأضاف، "هناك سيطرة أكبر للحرس الثوري على الدولة أكثر من أي وقت مضى، لكن الدولة نفسها أصبحت أضعف من أي وقت مضى، وأقرب إلى كيان أمني هش".
وتابع أن تركيز واشنطن، من وجهة نظره، يجب أن ينصب على تحقيق نصر عسكري يترجم إلى مكسب سياسي، وليس العمل مع الحرس الثوري، بل عبر هزيمته في ساحة المعركة ودعم القوى الأكثر معارضة له داخل إيران.
إذا كان الحرس الثوري يمثل مركز القوة، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي يُعد الآلية التي تُمارس من خلالها هذه القوة. ويُعتبر المجلس أعلى هيئة لتنسيق السياسات العسكرية والخارجية، ويضم قادة كباراً في الحرس الثوري ومسؤولين حكوميين تحت إشراف المرشد الإيراني. وقد تأسس بعد ثورة 1979، ولعب دوراً محورياً في إدارة الأزمات الكبرى، من المفاوضات النووية إلى العمليات الحربية.
وأفادت تقارير بأن إيران عيّنت محمد باقر ذو القدر، وهو قائد سابق في الحرس الثوري، أميناً عاماً للمجلس، في خطوة تعزز دوره المركزي في تنسيق القرارات العسكرية والسياسية.
ونقل مصدر مطلع على بنية النظام أن "السلطة حالياً في يد الحرس الثوري، والمجلس الأعلى للأمن القومي يتخذ القرارات بدعم غالبية قادة الحرس".
ورغم أن النظام يتمحور رسمياً حول المرشد مجتبى خامنئي، فإن مدى سيطرته الفعلية لا يزال غير واضح. فقد تولى المنصب بعد وفاة والده، لكنه "لا يتمتع بالسلطة التلقائية التي كان يتمتع بها والده"، وفق المصدر ذاته، كما لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، ما أثار تساؤلات بشأن وضعه الصحي وقدرته على الحكم.
من جهته، قال العميد احتياط يوسي كوبرفاسر إن دور خامنئي قد يكون محدوداً حالياً، مشيراً إلى أن السيطرة تبدو بيد الحرس الثوري.
وأثارت تصريحات ترامب بشأن التحدث مع "شخص رفيع" اهتماماً باسم محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري والرئيس الحالي للبرلمان. وتحدثت تقارير عن احتمال التعامل معه كوسيط محتمل، بل وحتى كزعيم مستقبلي.
ويُعد قاليباف شخصية تجمع بين الخلفية العسكرية والسلطة السياسية، وقد ترشح للرئاسة أربع مرات منذ عام 2005. ومن المتوقع أن يلتقي مبعوثين أميركيين، من بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في العاصمة الباكستانية خلال الأيام المقبلة.
إلا أن قاليباف نفى علناً إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة، كما لم يصدر تأكيد رسمي من الطرفين بشأن وجود مفاوضات مباشرة.
يبقى وزير الخارجية عباس عراقجي من أبرز الوجوه الإيرانية على الساحة الدولية، ومن المرجح أن يكون ضمن أي وفد تفاوضي محتمل، إلا أن محللين يرون أن دوره يقتصر على نقل الرسائل، فيما تبقى القرارات الاستراتيجية بيد الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية الأوسع.
إلى جانب ذلك، تبرز دائرة أوسع من القادة العسكريين والسياسيين والدينيين، من بينهم قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، وقائد القوات البحرية علي رضا تنغسيري، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، والرئيس مسعود بزشكيان، إضافة إلى شخصيات دينية وسياسية بارزة مثل سعيد جليلي وآية الله علي رضا أعرافي.
ويمثل كل من هؤلاء ركناً مختلفاً في بنية النظام، سواء من حيث القوة العسكرية أو إدارة النفوذ الإقليمي أو التحكم بالممرات الاستراتيجية أو أدوات الضبط الداخلي أو الشرعية الدينية.
ورغم الانقسامات الداخلية، تبقى القيادة الإيرانية موحدة حول هدف أساسي يتمثل في بقاء النظام واستمراره.
وقال كوبرفاسر: "هناك نخب أكثر براغماتية مثل عراقجي وروحاني وظريف، وهناك أيضاً المتشددون الذين غالباً ما يمتلكون اليد العليا، لكنهم جميعاً متفقون على مسألة واحدة، وهي أن النظام يجب أن يستمر ويبقى في السلطة".