"ليبانون ديبايت"
استعرت السجالات التي خلّفها القرار المفاجئ لوزير الخارجية يوسف رجي بطرد السفير الإيراني، وفتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات جدّية حول تجاوز الوزير لصلاحياته الدستورية في مقاربة ملف بهذا الحجم والحساسية.
وفيما استمرّ الصمت الرسمي المطبق من رئاسة الجمهورية رغم التسريبات، كشفت معلومات خاصة لـ"ليبانون ديبايت" أنّ ما تمّ تداوله عن وجود اتفاق ثلاثي بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، والوزير رجي على قرار الطرد، عارٍ من الصحة جملةً وتفصيلاً.
وبحسب المعطيات، كان الوزير رجي قد أبلغ رئيس الجمهورية نيّته استدعاء القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية لتوجيه ملاحظات باسم الدولة اللبنانية، وهو ما لم يلقَ اعتراضًا من الرئيس. إلا أنّ المفاجأة تمثّلت في صدور قرار تجاوز هذا الإطار، ما وضع رئاسة الجمهورية أمام أمر واقع غير متوقّع.
ولا يبدو أنّ هناك موقفًا رسميًا أو بيانًا سيصدر عن رئاسة الجمهورية، لا سيما أنّه مرّ أكثر من 24 ساعة على القرار، ولم يعلّق مكتب الرئاسة على الأمر رغم الادعاءات بأن القرار تمّ تنسيقه مع الرئيس.
كما لم تتّضح بعد أسباب القرار، أو الأسس التي استند إليها، ولا الفعل الذي قام به السفير ليستوجب اعتباره "شخصًا غير مرغوب فيه".
ومن المتوقع أن يُحلّ الأمر بين اليوم والغد، إذ تكشف المعلومات أنّ كلاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري وزعيم المختارة وليد جنبلاط دخلا على خط حلحلة الأزمة، على أن يكون الاحتمال الأرجح لمعالجتها على طاولة مجلس الوزراء غدًا.
وتشير المعلومات إلى أنّ موقف وزير الخارجية، المدعوم من رئيس حزب القوات اللبنانية، جاء ردًا على مواقف أعلنها عضو المكتب السياسي وفيق صفا حول قرارات الحكومة السابقة، لا سيما أنّ قرار رجي اتُّخذ بالتنسيق الكامل مع رئيس الحكومة نواف سلام.
وتنبّه أوساط متابعة، في هذا الإطار، إلى أنّ هذا الإجراء يطرح إشكالية دستورية واضحة، إذ إنّ رئيس الجمهورية، بصفته الجهة التي تتسلّم أوراق اعتماد السفراء، هو المخوّل حصرًا اتخاذ قرار إعلان أي دبلوماسي "شخصًا غير مرغوب فيه"، وفقًا للأعراف الدولية وأحكام الدستور اللبناني، فضلًا عن المادة التاسعة من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، التي تكرّس هذا الحق للدولة المضيفة ضمن أطر قانونية محدّدة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ قرار الوزير رجي فجّر المشهد الداخلي، حيث لم يتأخّر رئيس مجلس النواب نبيه بري عن الاعتراض وإبلاغ موقفه إلى المعنيين، إضافة إلى مواقف لافتة صدرت عن المرجعية الدينية للطائفة الشيعية في لبنان وشريحة واسعة من بيئتها الحاضنة للمقاومة، وسط دعوات إلى التصعيد والتحرّك في الشارع.
وفي ظلّ هذا التصعيد، تقف الدولة اللبنانية أمام اختبار بالغ الدقّة: هل تنجح في احتواء التداعيات وإيجاد المخرج المناسب ضمن إطار مؤسسة مجلس الوزراء، أم تنزلق الأمور نحو مزيد من التأزّم، في ظلّ تلويح بأزمة حكومية قد تنشأ على خلفية انسحاب الوزراء الشيعة، وتحديدًا وزراء "الثنائي"، من الحكومة؟