المحلية

ليبانون ديبايت
الخميس 26 آذار 2026 - 15:32 ليبانون ديبايت
ليبانون ديبايت

عدالة بميزانين؟ حين يصبح التوقيف قاعدة والإفراج استثناءً

عدالة بميزانين؟ حين يصبح التوقيف قاعدة والإفراج استثناءً

“ليبانون ديبايت”


في بلدٍ يفترض أن العدالة فيه عمياء، يبدو أن بعض الملفات تُفتح بعينٍ واحدة وتُقفل بأخرى. وهنا تحديدًا، تفرض قضية الشيخ خلدون عريمط نفسها نموذجًا صارخًا لسؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: هل ما زال هناك ميزان واحد للعدالة في لبنان؟


المفارقة تبدأ من المقارنة. علي برو، الذي وُجّهت إليه في القرار الظني اتهامات تتصل بإهانة رئاسة الجمهورية، والتطاول على رئيس الحكومة، وتهديد السلم الأهلي — وهي اتهامات تمسّ صلب الاستقرار الداخلي — خرج من السجن. في المقابل، لا يزال الشيخ خلدون عريمط موقوفًا منذ أشهر، على خلفية اتهام يتعلق بـ”تعكير علاقات لبنان بدولة أجنبية”، هي المملكة العربية السعودية.


هنا، لا يعود السؤال تفصيليًا، بل يصبح جوهريًا: أيهما أخطر؟ المسّ برمزية الدولة داخليًا، أم ادعاء تعكير علاقة خارجية لم يثبت أصلًا أنها تضررت؟


الأخطر أن الوقائع المتوافرة لا تدعم أساس استمرار التوقيف. فلا شكوى مباشرة تقدّمت بها المملكة العربية السعودية، ولا أي موقف رسمي صدر عنها يشير إلى تضرر العلاقات مع لبنان بسبب هذا الملف. بل إن المعطيات تشير إلى العكس، حيث بقيت العلاقات في مسارها الطبيعي من دون أي انعكاس دبلوماسي أو سياسي.


أكثر من ذلك، حتى داخل الملف نفسه، تغيب الشكاوى المباشرة. فالأسماء التي وردت في التحقيقات لم تتقدم بدعاوى شخصية ضد عريمط، وفي إحدى الجلسات، أكد أحد الأطراف المعنيين أنه لم يدّعِ عليه أساسًا. ورغم ذلك، استمر التوقيف.


فهل بات التوقيف إجراءً احترازيًا مفتوحًا بلا سقف؟ وهل تحوّل من تدبير استثنائي إلى عقوبة مسبقة؟


المفارقة الأكبر تكمن في هوية الرجل نفسه. فالشيخ خلدون عريمط لم يكن يومًا في موقع الخصومة مع السعودية، بل على العكس، شكّل على مدى سنوات صوتًا مدافعًا عنها في وجه الهجمات السياسية والإعلامية. مواقفه العلنية واضحة: تأكيد دائم على دعم المملكة للبنان، وعلى دورها العربي، وعلى ثباتها في قضايا المنطقة.


كيف يمكن، إذًا، أن يتحول هذا السجل السياسي إلى أساس اتهام بتعكير العلاقات معها؟ وأي منطق قانوني يبرر هذا التناقض؟


في موازاة ذلك، انتقل الملف إلى مرحلة جديدة بعد أن ختمت قاضي التحقيق الأول في بيروت رولا عثمان التحقيق، وأُحيل إلى النيابة العامة للمطالعة. لكن هذا التطور، بدل أن يخفف من وطأة التوقيف، يطرح سؤالًا إضافيًا: لماذا يستمر التوقيف رغم انتهاء التحقيقات؟ وما هي الضرورة القانونية التي تبرر إبقاء رجل في السادسة والسبعين من عمره خلف القضبان في هذه المرحلة؟


المشهد الذي حصل داخل جلسة التحقيق لم يكن تفصيلاً. رجل مسن يقف أمام القاضية ويقول: “أنا مظلوم ولم أرتكب أي جرم… عمري 76 عامًا ولم أفعل شيئًا يستحق السجن”. ليست مجرد عبارة دفاع، بل خلاصة شعور يتجاوز الشخص إلى القضية نفسها.


القضية اليوم لم تعد قضية خلدون عريمط فقط. إنها قضية معيار.


هل العدالة في لبنان واحدة أم متعددة؟


هل التوقيف يُقاس بميزان القانون أم بميزان آخر؟


ولماذا تُشدّد الإجراءات في ملف، وتُخفّف في آخر، رغم اختلاف طبيعة الاتهامات؟


عندما تتراكم هذه الأسئلة من دون أجوبة واضحة، لا تعود “المظلومية” توصيفًا سياسيًا، بل تتحول إلى استنتاج منطقي.


وعندها، يصبح الخطر الحقيقي ليس في ملف واحد، بل في اهتزاز الثقة بميزان العدالة نفسه.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة