"ليبانون ديبايت" - وليد خوري
في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، حيث يفترض أن تكون الأولوية المطلقة لتثبيت موقع الدولة، ودعم المؤسسات الدستورية، ومنح رئيس الجمهورية والحكومة المساحة السياسية اللازمة لممارسة صلاحياتهما في مقاربة الحرب وتداعياتها، يخرج رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بدعوة سياسية من معراب تحت عنوان “إنقاذ لبنان”. عنوان كبير، بل أكبر من المكان الذي اختاره، وأكبر من الإطار الحزبي الذي أراده، وأكبر أيضاً من الأدوات الفعلية المتاحة له لتحقيق ما يرفعه من شعارات، على أن يُعقد اللقاء غداً في معراب.
المشكلة في هذه الدعوة لا تبدأ من مضمونها النظري، لأن لا أحد يختلف على عناوين مثل “إنهاء الحرب” و”استعادة قرار الدولة”. هذه عناوين يوافق عليها أي لبناني حريص على البلد. لكن الإشكالية الفعلية تكمن في مكان آخر: من يملك دستورياً وسياسياً ومؤسساتياً حق وضع “خريطة طريق” من هذا النوع؟ ومن الجهة المخولة إدارة هذا الملف؟ وهل تُعقد طاولة إنقاذ لبنان في معراب، أم في المؤسسات الدستورية التي تمثل اللبنانيين جميعاً؟
هنا تسقط الدعوة في أول اختبار جدي. فقرارات من نوع وقف الانزلاق إلى الحرب، أو تثبيت قرار الدولة، أو إدارة التوازنات الوطنية، أو مخاطبة الخارج، ليست من اختصاص حزب، أياً يكن حجمه، ولا منبر سياسي، أياً يكن حضوره الإعلامي. هذه ملفات تعود إلى رئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء، والمؤسسات الرسمية المعنية، ضمن الدستور والبيان الوزاري والأصول السياسية المعروفة. أما أن يقرر طرف حزبي أن يفتح “منصة إنقاذ” موازية، فهذا لا يبدو عملاً إنقاذياً بقدر ما يبدو محاولة واضحة لمصادرة دور الدولة، ولو تحت شعار الدفاع عنها.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. جعجع يقول إنه يريد “استعادة قرار الدولة”، لكنه يطرح نفسه عملياً بديلاً عن الدولة. يقول إنه يريد حماية المؤسسات، لكنه يتصرف وكأن المؤسسات قاصرة، أو غائبة، أو غير جديرة بإدارة الملف. يرفع سقف الخطاب دفاعاً عن الشرعية، لكنه يقفز فوق الشرعية نفسها حين يحاول سحب هذا النقاش من موقعه الطبيعي، أي رئاسة الجمهورية والحكومة، إلى موقع حزبي صرف هو معراب. فهل يكون إنقاذ لبنان عبر المؤسسات، أم عبر تكريس أعراف سياسية جديدة عنوانها أن كل حزب ينشئ لنفسه “غرفة عمليات وطنية” كلما شاء؟
والأهم من ذلك، أن توقيت الدعوة يثير أسئلة مشروعة. ففي مرحلة يحتاج فيها البلد إلى تجميع عناصر التهدئة والحد الأدنى من التفاهم الداخلي حول دعم الدولة في مواجهة المخاطر، اختار جعجع الذهاب إلى رفع منسوب الاصطفاف، لا إلى خفضه. اختار أن يقدم نفسه مركزاً سياسياً بديلاً، لا شريكاً في حماية الدولة. واختار أن يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أن معراب هي المدخل إلى الحل، وكأن رئاسة الجمهورية ليست موجودة، وكأن الحكومة ليست قائمة، وكأن المؤسسات الدستورية ليست المرجعية الطبيعية.
لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا: ما هي الأدوات الفعلية التي يملكها جعجع للإنقاذ؟ ما هي “العدة” السياسية أو التنفيذية أو الدستورية التي يمتلكها حتى يتحدث بهذا الحجم من الثقة عن “خريطة طريق” و”استعادة قرار الدولة”؟ هل يملك قدرة دستورية على تنفيذ شيء؟ هل لديه أدوات حكم؟ هل يمسك بمفاصل القرار التنفيذي؟ هل يملك وسائل الضغط الوطنية الجامعة التي تؤهله لرعاية تسوية أو إطلاق مسار وطني جامع؟ أم أن كل ما في الأمر لا يتجاوز خطاباً مرتفع النبرة، ومنصة حزبية، وكاميرات، وحضوراً سياسياً محدوداً اعتاد اللبنانيون مشاهدته في المناسبات نفسها ومن المكان نفسه؟
بحسب المعطيات المتداولة، فإن التجاوب مع هذه الدعوة من قبل الكتل والأحزاب الوازنة كان سلبياً، ولم يكن على مستوى طموحات جعجع، الذي لن يجد حوله غداً إلا من اعتاد على إجلاسهم على يمينه ويساره من الباحثين عن صورة لا أكثر ولا أقل. وهذا بحد ذاته مؤشر بالغ الدلالة. فلو كانت الدعوة تعبّر فعلاً عن حاجة وطنية جامعة، لكانت استقطبت زخماً واسعاً وعابراً للتموضعات التقليدية. أما أن يقتصر المشهد في النهاية على الوجوه نفسها التي تُشاهد دائماً في معراب، فهذا يعني أن الأمر لم ينجح في تجاوز الإطار الحزبي الضيق إلى الفضاء الوطني الأوسع. بمعنى آخر، ما طُرح كأنه لحظة إنقاذ وطنية، بدا أقرب إلى إعادة تجميع جمهور سياسي مألوف تحت عنوان كبير فضفاض.
وهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد لقاء سياسي عابر، لأنها تدخل في باب المزايدة المباشرة على رئيس الجمهورية وعلى موقع الرئاسة نفسها. إذ بدلاً من دعم العهد في موقعه الدستوري، وبدلاً من تحصين الدولة من داخل مؤسساتها، يجري القفز فوق هذا كله لطرح معراب كمنصة إنقاذ بديلة. وهذا ليس تفصيلاً. في بلد كلبنان، أي محاولة لخلق مرجعية موازية للرئاسة والحكومة، حتى ولو جاءت بلغة سيادية جذابة، تحمل في طياتها نزعة إضعاف للمؤسسات بدل تقويتها.
الإنقاذ لا يُصنع بالشعارات. والبلد لا يُدار بالمنابر المفتوحة. و”استعادة قرار الدولة” لا تتحقق عبر دعوات حزبية خاصة، بل عبر قرار رسمي تتخذه الدولة نفسها من خلال مؤسساتها الدستورية. ومن يريد فعلاً أن يساعد، عليه أن يدعم هذا المسار من موقع المساندة، لا أن ينافس عليه من موقع المزايدة. أما أن يتحول العنوان الوطني إلى مادة للاستهلاك السياسي، فذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من الالتباس، وربما إلى مزيد من الإرباك في لحظة لا تحتمل أصلاً ترف الصراعات الصغيرة على الأحجام والأدوار.
في الخلاصة، ما يجري لا يبدو مشروع إنقاذ بقدر ما يبدو “جعجعة” سياسية جديدة. جعجعة مرتفعة السقف، كثيرة الادعاء، قليلة الجدوى. دعوة أرادت أن تقول “نحن هنا”، أكثر مما أرادت أن تقدم حلاً فعلياً. أرادت أن تفتح منبراً، لا مساراً، وأن ترفع الصوت، لا أن تنتج معالجة. ولذلك، فإن أقصى ما يمكن قوله في هذه الخطوة إنها تندرج في إطار المزايدات السياسية المفتوحة على حساب موقع الرئاسة والدولة معاً، لا في إطار أي مبادرة جدية قابلة للحياة.
