Beirut
22°
|
Homepage
دولة الرئيس نهاد المشنوق
عبدالله قمح | الاربعاء 06 تشرين الثاني 2019

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

تبدو الأمور تشي بالضياع على أنصار "تيّار المستقبل". هذا طبيعي لكونهم دخلوا "ساحات الاعتصام" متأخرين بفعل إصابتهم بمتلازمة إستوكهولم "السياسية"، حين جرى إختطافهم على يد الحَراك في لحظة "عفلة سياسية" دخلوا بإستقالتها في عشقهِ الحرام!

طوال أيّامٍ، لم يجد أنصار المستقبل ما يثورون عليه. هذا أمر طبيعي، لكونهم يعتبرون جزءاً لا يتجزأ من السلطة، وواقع الحال أن العين لا تعلو الحاجب، لذلك هم ملزمين على تحمل تبيعات ما جنته أحوالهم.


وللحقيقةِ، فإنّ معظم من هم في السّاحاتِ رسموا أهدافهم بدقّة حتى قبل بذوغ فجر الاحتجاجاتِ، وتقريبًا معظم من يتواجدون هناك لديهم فكرة عمّا يريدون، وبما أن الأمر على هذا النحو، كان لا بد لأنصار "الازرق" من إختراع "عدو" تُبرّر الثورة عليه كما يفعل غيرهم ويُبرّر بالتالي تسلّقهم اللاحق على ظهر الانتفاضة، كما يفعل الكثير من زملائهم الآن من أحزاب "الغفلة" الذين اخترعون قضايا وثاروا عليها.

وبالفعل، فإنّ هذه الحقيقة مثّلت مشكلةً لأنصارِ "التيّار الازرقِ"، لكون جميع من تفترض الثورة عليهم هم إما من حلفائهم أو شركائهم، بل أنهم أنفسهم موضع إتهامٍ بالتورّطِ في حمّى إتهامات الشارعِ، ومن غير الواضحِ أنّهم مقبلون على النجاةِ منها.

إذًا، يريد "أنصار الحريري" تسلّق "ظهرَ الثورةِ" بأيّ ثمنٍ، حتى ولو كلَّف ذلك "تشويه الانتفاضةِ" أو تفريقها، لا يهمّ، المهمّ أن نتسلَّقَ. لكن المشكلة، أنّهم يحتاجون، مثلهم مثل غيرهم إلى أهدافٍ صالحةٍ تمدّ الشارع بقوةٍ أو بالأحرى "كتفٍ" يستحقّ التسلّق عليه ويستطيع حملَ "غلاظتهم السياسيّة".

لم يأخذ الموضوع الكثير من الوقتِ، إذ وجدوا ضالتهم في النائب نهاد المشنوق.

طبعًا، المشنوق "جسمه لبّيس". هو متهمٌ بـ"الخروجِ" على سعد الحريري، لا يقبل ثقافة "البيعة كالغنمِ" ومن غير المُعجَبين بسياسةِ، لا رئيس الحكومة المُستقيل ولا شريكه جبران باسيل، رجلٌ ارتدى "الصوفة الحمراء" في بيت الوسط ونجحَ بالنيابةِ "غصبٍ" عن تيّار المستقبل.

ثم أنّ هناك "بوطة" لا يضيرها التنقير على "أبو صالح" وتجد في عودته أخطارًا على "مستقبلها" السياسي، وعلى الأرجحِ، وَجَدت في "الانتفاضةِ" الحاليّةِ مُتَنفسٌ لتوجيهِ الشارعِ السنيِّ ضدّه من خلال استخدامِ جوقةِ إتهامات "جاهزة ومُعلَّبة" كلّها تنفتح على تلبيةِ شروطِ تشويه السمعة وجعله هدفًا لانتفاضةٍ "ذات وجهٍ سنيٍّ"!

وعلى مدى أيّامٍ، لم تجد "ماكينة" تيّار المستقبل سوى نهاد المشنوق لتمارس هواية إطلاق الرصاص "السياسي" عليه وحقن الشارعِ ضدّه، وتصويره، على أنّه "الخائن" الذي جالسَ جبران باسيل في قصر بعبدا عقب إعلان الحريري استقالته، بل مضى هؤلاء في نثرِ الاخباريّاتِ التي قامت كلّها على فكرةٍ واحدةٍ، الا وهي "تسويقُ باسيل للمشنوق رئيسًا لدى عون وحزب الله".

وبخلافِ الرئيس الحريري، فبالنسبة إلى "تركيبةِ" تيّار المستقبل، كلّ "سياسي سني" يُجالِس الوزير باسيل يصبح خائنًا وبرأسه مآرب أخرى من وراءِ الجلوسِ، لا بل أنّ البعض، يرى في تلك الجلسات "حبكات مؤامرات" تستهدف "الزعيم السني الأول"!

البعض يظن، أن من وراء الحملة على المشنوق، دوافع قد يكون خلفها مسعاً لقلب مِزاج "الجماعة السُنيّة" المتواجدة في الشارع وتوجيهها لاحقاً صوبَ وزير الداخليّة السابق مستفيدةً من إختلاق قضية أن "النائب المنتفض" يُدبّر مكيدة للحريري بهدف إقصائه والجلوس مكانه!

هذا كلّه، لا يقدِّم ولا يؤخِّر عند "أبو صالح" الذي استهلّ عنده هلال الصوم باكرًا، فأطلقَ عنان الصمتِ عن الكلام والإكتفاء بالمشاهدة وتوزيع الابتسامات.

على الارجحِ هو شمتانٌ، على إعتبارِ، أنّه كان أوّل من تنبّأ بأفولِ "التسوية الرئاسيّة باكرًا" يوم وجدَ أدلّة تظهر عدم التوازن السياسي، فإختارَ التموضع على يسارِ الشيخ سعد.

وأصلاً، هو يفضّلُ الغموض السياسي على "الفوضى والتبجّح"، وللحقيقة، فإنّ إعتمادَ هذا التكتيك "ورَّطه" بإتهاماتٍ مستقبليّة متنوِّعة، كتسريبِ مثلاً خبر عارضةِ الازياء التي كلَّفت الرئيس الحريري 16 مليون دولار أميركي، وغالب الظن، أنّ هذا الاتهام هو الذي أجَجَ النار المستعرّة في وجههِ.

ويرجّح أيضًا، أنّه سيكتفي بمشاهدةِ غريمه "سعد الحريري" يتخبَّط سياسيًّا، في إستقالةٍ تدور رحاها بين تكليف وتأليف بغيابِ التسمية، وكأنّ تاريخ إستقالة 4 تشرين الثاني تتَكرَّر يوم 29 تشرين الأول!

بالطبع، أكثر من متابعٍ، يعتبر، أنّ خلو ساحة الحريري من "سياسيٍّ ضليعٍ" على وزنِ شخصين مثل نهاد المشنوق ونادر الحريري، أدخلَ "الشيخ سعد"، بمزاجٍ سياسيٍّ متقلِّبٍ وغير ثابتٍ، وهو ما يمثل أحد ثغراته الضعيفة اليوم.

بالنسبة إلى البعض، هناك قاسمٌ مشتركٌ بين إستقالة 2017 وإستقالة 2019. في تلك الفترة، رفضَ المشنوق سياسة تقديم البيعة كـ"قطيعِ الأغنامِ"، واليوم، يرفض منح البيعة السياسيّة كـ"قطيع الاغنام".

خلال تلك الفترة التي امتازت بإنتقال الحريري من الخفة إلى التشدّد، ظنّ البعض، أنّ زعيمَ تيار المستقبل مُقبِلٌ على تحوّلاتٍ سياسيّةٍ تأتي إلى صالحهِ وليس ضدّه، وما زاد هذا الاعتقاد، اعلانه أنّ سعد الحريري 2018 مختلفٌ عن سعد الحريري 2017!

وعلى إعتبار، أنّ ذاك الحريري خرج قويًا من إستقالة 2017 في السعودية، وبما أن "نسخة 2018" مثلت في نهاية المطاف فشلاً ذريعاً، يدور الحديث اليوم عن نسخة جديدة مقبلة تحمل الرقم 2019، لكن السؤال هل ستكون مختلفة عن النسختَيْن السابقتَيْن؟ وإذا صحّ ذلك، أي سعد الحريري نتكلم؟

المشهدُ تحوّل الى ضبابيٍّ اليوم وما يزيد ذلك ضياع "الشيخ سعد" بين زعيمٍ لتيّارٍ سنيٍّ عريضٍ، أو كان ذلك، وبين "سعد التكنوقراطي"، وعلى الأرجحِ، أنّه يبحث عن ضالته السياسيّة في شخصيّة جديدةٍ يأمل إكتسابها كتعويمٍ على مرحلتين استنزفتاه إلى أبعدِ درجةٍ.

زوّار المشنوق، ينقلون أنّ "أبو صالح" يعيش على ايقاعِ موجةٍ مختلفةٍ هذه الايّام. يبدو بعيدًا من السياسة المعهودة، يزهد في قراءة حواجي "إنتفاضة الشارع السني" من طرابلس إلى صيدا، وإلى أيّ مدى ستؤسِّس إلى تغييراتٍ موضوعيّةٍ وجوهريّةٍ داخل الوجدان السياسي السني.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر