Beirut
14°
|
Homepage
مشّادَة غَريبَة بينَ الأب والإبِن
روني الفا | الثلاثاء 03 كانون الأول 2019

"ليبانون ديبايت" - روني ألفا

نادراً ما يحدث أن ينعَطِب حَكَمُ مباراة الملاكَمَة لدى مزاولته مهنة التحكيم بين بَطَلَين على الحَلَبَة. يحصل أحياناً أن " يفشّ " أحد الملاكمين " خلقه " بحَكَم المباراة. لا خبرتُه ولا هيبتُهُ تُسَجَّلان لِصالِحِه عندما يقرّرُ أحد الملاكِمين الخروجَ عن طَورِه وعن آدابِ المنافسة الشريفة.

هذا بالضبط ما يحصل اليوم على حلَبَة الأزمة اللبنانية. كم مِن صوتٍ سمِعنا ينادي بعدم تَحوُّل صوت الموجوعين إلى ما يشبِه مباراة ملاكَمة شعبية. الشهران الماضيان حوّلا بلدَنا إلى " رينغ " وفِتيانَنا إلى لابسي قفّازات يتدرّبون بسرعة لافتة ولياقة عالية على توجيه اللكمات بدل توجيه الكلمات.


في المقابل جيش لبناني مُدَرَّب لحماية كرامة الحدود من عدوٍ شَرِس يُستَنجَدُ به لحماية شعب يكاد يحوّله نزقُ السياسيين إلى شعوب وإلى شارِع يكاد يتفرّع إلى شوارِع وأزقَّة. ما يحدث أشبه بنَصب كمائن للجيش.

لَم نَعتَد منذ سنوات على الجيش اللبناني في مهمّات مؤازرة للقوى الأمنية المنوط بها الحفاظ على الأمن الداخلي. جيشٌ يداهم أوكار الإرهابيين ومروّجي الممنوعات ويراقبُ بعينٍ ثاقبة تسلّلَ الإرهابيين على الحدود يجد نفسَه في مهمةٍ في غاية الدقة ومدجَّجة بالإلتباس والإحتِقان والتعبئة الطائفية والمذهبية. أسوأ. تحفّظاتٌ من هنا وهناك تُقحِمُه في دائرة التجاذبات وتَكيلُ له اللومَ والعِتاب. تُهَمٌ تتدرّج مِن التساؤل إلى التهجّم والإتِّهام.

من جهته يتصرّف الجيش برعاية أبويّة. مقارنة معبِّرَة مع أبٍ صالِح يسكتُ عن تجاوزات ابنِه المُراهِق. أبناء يضربُهم الشَّبَق وإحساسٌ مفرِط بالكَرامَة لا يترددون عن التطاول على الذي أنجبَ إستقرارَهم وأمّنَ لهم بالدم والدّموع سُبلَ العيش الكَريم.

سياسَةٌ بعضُها يجنَح نحو المراهَقَة تطلب بصلافة توظيفَ الجيش في شوارعِها. تكاد تطلب منه كتابةَ شعاراتها والإنتسابَ إلى عقائِدِها والبَصمَ على أدائِها. تحويل الجيش إلى ما يشبِه كونسورتيوم أحزاب ومِلَل.

لَم يتعلّم جيشُ لبنان السياسةَ بمعناها الحزبي. تعلّم شَرَف الشّهادة في سبيل وطن. وطنٌ أنهكته السياسةُ اللبنانية وأمعنت فيه تشرذماً وتفتيتاً.

المواثيقُ الدولية هي إنجيلُ الجيش وقرآنُه. حسابات الأحزاب ليست في وجدانه القومي. قدَرُ الجيش أن يُحسَب على وطنٍ جامعٍ لكل أبنائِه. لا بأس أن تُكالَ له الشتائمُ المنمّقة في تَغريدات. يقابلُها بالصّمت.

غير مسبوق ما يواجهه الجيش في تاريخ لبنان الحديث. لا حربَ ولا سِلم. فوضى غير خلّاقة وسط مِحنةٍ إقتصادية وإجتماعية غير مسبوقة. مرقّطٌ مستقيمُ الوطنيّة والرأي يكاد لا يبالي أحدٌ بتعبِه. لا مأكلُه يقضُّ مضاجِع المُلاكمين ولا مشربُه.

وجبات جافّة يتناولها الجنود وقوفاً. ساعات مخصصة للنوم واستجماع القوى تحوّلت إلى ساعات أرق وقلق على الأمن والمصير. بالطبع هي ترقى إلى مصاف الواجب. ليس إلى حدّ استنزاف العسكر. عينُكُم على الحدود أيها السادة. لا تعطّلوا إنجاز فجر الجرود!

أن ننظُرَ " ماكرو " ولو لمرّة هو أن نتيقّن أن الجيش هو حزب الشّعب. إذا ما احتسبنا عديدَه بعائلاته وأتباعه لوجدناه الحزبَ الأكبر. أكبرُ حزبٍ مرّقط لا مشروع له سوى حماية لبنان. هل دخلَ في حسابات أحدٍ حمايةُ الجيش من أنفسِنا؟

أنفعُ ما يمكن أن يفعله البعض هو الكفُّ عن إسداء النصائح إلى الجيش اللبناني. جيشٌ واحد تعبت القيادة في " دقّ ريحان " وحدته ومناعته يتعرّض كل يوم لقصف التغريدات. ساسةٌ يبنون قصورَ شعبيَتهِم من لُبنة الجيش. جيشٌ تُرفَع له القبّعة. تُؤدَّى له التحيّة. آخِر معاقل لبنان الدولة يتسلّى" بمزرَعَتِه " بعض الساسة على قياس مزارعهم. تحية وقوفاً إلى قائده وضباطه وعناصره. تذكّروا هو الخشبة بعد أن تغادرُكم سفينة نوح. لا تُغرِقوه حتى لا تَغرقوا يا جهابذة.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر