الطريق الى محبسة السيدة في حوقا ليس سهلا تماما كما ظروف معيشة ذاك الناسك الذي يفتح باب محبسته الى السماء ومن هناك تعبق رائحة القداسة لتعانق جمال الالوهة التي يفوح بها ذاك الوادي المقدّس!
في لبنان، ثلاثة حبساء في أيامنا هذه وثلاثة آخرون يتحضّرون، الحبساء الثلاثة من الرهبانية اللبنانية المارونيّة وهم يوحنا خوند في دير مار انطونيوس قزحيا، أنطوان رزق في دير مار بولا والحبيس داريو إسكوبار في دير السيدة في حوقا.
كما ان هناك خبرة نسكية من الرهبانية الأنطونية ستبدأ في دير مار بطرس وبولس قطين قضاء جزين حيث ثمّة محبسة قيد الإنتهاء ويتحضر ثلاثة رهبان لخوض الحياة النسكية علماً أن القانون الرهباني يشدد على أهمية وجود أكثر من شخصين في المحبسة لعيش الحياة الليتورجية بطريقة أفضل والدليل على ذلك انه في زمن القديس شربل كان هناك ثلاثة حبساء في المكان عينه.
بضحكة لا تفارقه، استقبلنا حبيس حوقا داريو اسكوبار، ابن الاثنين والثمانين عاما، الذي ترك عائلته الغنية في كولومبيا وانتقل الى لبنان ليستقرّ في ذاك الوادي المقدّس حيث يعيش منذ ست عشرة سنة.
المحبسة، التي لا تصلها الا سيرا على الاقدام، تقع في دير سيدة حوقا في وادي قاديشا الذي يطلق عليه ايضا اسم “وادي القديسين” بسبب ارتفاع عدد الاديرة والمحابس فيه والعائدة الى مئات السنين حيث كان الموارنة الاوائل الذين قدموا الى لبنان من سوريا يختبئون في مغاور الوادي هربًا من الاضطهاد وكذلك فعل البطاركة الموارنة الذين شكلوا دورًا مهمّا في تاريخ لبنان.
أستاذ اللاهوت وعلم النفس سابقا، وصاحب اللحية الرمادية والشعر الطويل “وهذا اكثر ما يزعجه الا انّه يقبل الوضع لانه يلتزم قوانين الحياة النسكيّة”، والوجه المحفور بالتجاعيد يتحدّر من ميديلين في شمال غرب كولومبيا، وهو كان يعيش في حي راق وفي منزل مريح مع والديه واشقائه وشقيقاته.
هو يرتدي ثوبًا رهبانيًا باليًا وهو ينام على فراش رقيق من الاسفنج ملقياً رأسه على حجر. وغرفته الصغيرة تحوي لوحا خشبيا صغيرا يقوم مقام الطاولة وصليبا وشمعة ومنبّها.
يأكل ممّا يزرع والطعام الذي لا يستطيع تحضيره يأتون له به من الدير الأقرب على حدّ قولهوالوجبات تقتصر على الفاصولياء والبصل والبطاطا ويقول في لكنته العربيّة “باكل من دون لحمة وبالصوم ما في فواكه وما في مربّى وبعد الصوم المخصّص للعذراء سيبدأ بصوم عيد ارتفاع الصليب” اما صلته بالعالم فتقتصر على بعض الرهبان والكهنة الذين يزورونه، بالاضافة الى عدد من الزوار والحجاج الى الوادي الذي تنتشر فيه المزارات الدينية. وهو يشرح امام الزوار عن طريقة عيشه مقدّما شهادة في المحبّة والقرب من الله والتأمل والصلاة.
وهو يقسم نهاره على الشكل التالي: 14 ساعة للصلاة، وثلاث لزراعة حديقته، واثنتان لمطالعة كتب روحية، وخمس ساعات للنوم.
قداسه اليومي عند الثالثة فجرا أمّا وجبته الوحيدة فهي عند الخامسة عصراً ويصف اسلوب حياته “بالسهل وغير المعقّد”.
اسكوبار يتقن اللغات القديمة ويتكلّم لغات عدة الى جانب لغته الاسبانية الأم، بينها الفرنسية والانكليزية والعربية ولو بدرجة أقل.
كان قد التقى في احدى رحلاته الى الولايات المتحدة راهبًا لبنانيًا من الطائفة المارونية، حدّثه عن لبنان وعن وادي قاديشا وعن حياة النساك الاقدمين.
وعن سبب قدومه واختياره لبنان يقول:”ان الله دعاني بشكل واضح لاكون هنا ولكي أتبع هذه طريقة العيش يجب أن ألبّي نداء الربّ وأن اكون مدعوّا منه”.
وعن الاوضاع اللبنانيّة المعقّدة، يقول:”الجميع يجب ان يصلّوا من أجل لبنان كي “يصعد جيّدا” خاصة وكما نعلم جميعا فان وطنكم عانى كثيرا عبر التاريخ خاصة ان السياسيين ليسوا على اتفاق. وقال:”عندما تتحقق الوحدة يأتي السلام الى لبنان بشكل تام”.
ويضيف:”يوميا أصلّي على نيّة لبنان من اجل أن تتحسّن الاوضاع فيه والتي اسمع عنها من الزوار”.
وبهذه الكلمات إنتهى لقاؤنا مع ناسك حوقا…لقاء يبقى صداه يتردّد في نفوسنا سلاما وفرحا وحبّا كيف لا وقد باتت السماء في وادٍ؟!
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News