وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة شهر رمضان المبارك لهذا العام هنأ فيها المسلمين عموماً واللبنانيين خصوصاً، وجاء فيها:"بأمل كبير، ورجاء عظيم، نرحب بشهر الله، هذا الزائر المبارك، والضيف الكريم، نستقبله بقلوب مفتوحة، وأيدٍ ممدودة، ونفوس متضرعة إلى الله تبارك وتعالى، داعية مستغفرة، تائبة إليه جل وعلا، طائعة، راجية أن يكون شهر الصوم هذا، شهر خير ووئام وسلام، شهر العتق من الذنوب، وقبول الأعمال، شهر التسامح والتصافح والتناصح، شهر الأمة وجمع كلمتها على البر والتقوى، بقلوب مؤلّفة، وأفئدة متفكّرة وعقول متدبرة، تناصر الحق وتقارع الباطل، وتكفر بالطاغوت، ولا تنحاز إلا لما يرضي الله ويكون في خدمة عباده، بعيداً عن الرياء والنفاق ومنطق التكاذب الذي كلّف الأمة الكثير، وحمّلها أوزار الأهواء والانقسامات، ودفعها إلى متاهات الجهل والتخلّف، وحوّلها فريسة سائغة على مائدة الذئاب واللئام".
وأضاف:"في هذا الشهر الفضيل أيها الإخوة، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وبناء الذات، شهر إعلان البراءة من أبالسة هذا الزمن، وخفافيش الغرف السوداء، وفي أدقّ مرحلة يعيشها المسلمون، نتوجّه بالدعوة إلى انتفاضة إسلامية، يواكبها وعي عميق في المفاهيم والسلوك، بعيداً عن الهرطقات والخرافات والروايات المدسوسة التي استغلتها جهات دولية وإقليمية، وراحت تعمل على تحوير صورة المسلمين، وتشويه دينهم، الذي هو دين الدعوة إلى السلم والسلام، كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)".
وتابع:"نعم، إلى التقوى أيها المسلمون، إلى تأكيد وتظهير صورتكم الحقيقية، صورة الخوف من الله، صورة الرأفة والرحمة فيما بينكم، صورة الرفض والمواجهة لكل المدارس المشبوهة والفتاوى والاجتهادات المنحرفة، صورة العودة إلى قرآنكم وتعاليم دينكم الذي هو دين التواد والأخوّة الإنسانية، دين الحياة والانفتاح والاعتراف بالآخر والحوار معه على قاعدة (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، دين الأخلاق لقوله(ص) "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". نعم بهذه المعاني وبهذه القيم نفهم الإسلام وبهذه الروحية نؤوب إلى ضيافة الرحمان لا لنمتنع عن تناول الطعام والشراب فحسب، بل لنخزن ألسنتنا عن كل سوء، لنصبر على المكاره وجشوبة الأيام، لنسمو بأخلاقنا، لننتصر على أهوائنا، لنكبح شهواتنا، لنتقرب من فقرائنا، لنساعد المساكين، لنغيث الملهوفين، لنكون مع المظلومين، لا نرائي ولا نداهن، ولا نستغل ولا نستفزّ، ولا نَفتِن ولا نُفتتن ولا نقول إلا صدقاً، ولا نعمل إلا خيراً، ولا ندعو إلا إلى ما يرضي الله ويقربنا من عباده".
وأشار الى أن "هذا هو الصوم الحق، وهذه هي فلسفته الإيمانية والتقوائية التي توصلنا إلى العبودية الخالصة، والكاملة، لله سبحانه وتعالى، فلنجعل منها تربية ونهجاً وسلوكاً ومعبراً إلى رحاب الله ورحمته التي وسعت كل شيء، ولتكن ديدننا ودليلنا في هذه الدنيا الفانية من أجل آخرة سرمدية خالدة"، معتبراً ان "شهر رمضان أفضل الشهور عند الله، وأعظم الأبواب إلى السماء والرحمات الواسعة، نتوجه ببركاته ومن خلاله بالمناشدة إلى القيادات الإسلامية والعربية، وبخاصة إلى المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران نرجوهم وندعوهم إلى تجاوز الخلافات، وطي صفحة الانقسام والإسراع إلى المصالحة، ولمّ الشمل، وتوحيد الصفوف والعودة إلى أخوّة الإسلام، والالتزام بقوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).
وقال:"كفى أيها المسلمون تشتتاً وتفرقاً، كفى أيها العرب خصومات ومكايدات ونزاعات، فلتستيقظ ضمائركم، ولتصفوا نواياكم، ولتطهّر قلوبكم، ولنعد جميعاً إلى ربنا وإلى ديننا معتصمين بحبل الله في مواجهة أعداء هذه الأمة التي أثخنتها الجراح، وشتتتها الفتن، فنُهبت أموالها، وصودرت ثرواتها، وخُرّبت دولها، وهُجرّت شعوبها، تارة بالإرهاب، وطوراً بالاحتلال، وأخرى بالفقر والإهمال، وأنتم على ما أنتم، مصرّون على العداوة والاحتراب؛ أما آن أوان الحكمة والتعقّل كي يتوقف هذا الجنون الأعمى، ونخرج من هذا الحقد الدفين الذي لم يكن ولن يكون له ما يبرره على الإطلاق، أما آن أوان الدخول في مصالحة أخوية إسلامية عربية إنسانية، تضع حداً لهذه الحروب ولهذا الدمار، ولهذا الخوف والفقر والجوع، ولهذا القتل في اليمن والسودان والجزائر وليبيا والعراق وسوريا. فلتكن كل الإمكانيات والقدرات والبنادق باتجاه العدو الصهيوني الذي يستبيح الحرمات، ويجتاح المقدسات، ويدمّر غزّة على رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء، ويحاول إلغاء قضية فلسطين، التي لن تعود بالتسويات، ولن تحرر بالصفقات، بل بالوحدة والقوة ومقاومة الشرفاء".
واضاف:"لأنه شهر الصوم والصبر والبصيرة، ندعو اللبنانيين بأحزابهم وتياراتهم وحركاتهم إلى الوعي والتعقّل والحكمة، بعيداً عن التنظير والعشوائية، فالبلد في قلب العاصفة، وأمام المخاطر الكبرى، وعلى القيادات والمسؤولين والمعنيين الذين كانوا السبب في كل ما نحن فيه من أزمات مالية واقتصادية واجتماعية ومعيشية أن يعوا جيداً بأنهم في مواجهة مرحلة لا تحتمل المزاح، والمزايدة فيها باتت من المحرمات السياسية والأخلاقية، ومد اليد إلى جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود أمر في غاية الخطورة، ولا يجوز، لذا نطالبهم - وهم في خضمّ البحث عن موارد مالية لتغطية نفقات الدولة، ولسدّ العجز في الخزينة - برفع السرية المصرفية، وبوقف الفساد والهدر في المؤسسات والإدارات والمجالس، وبضبط المنافذ البرية والبحرية والجوية، وبمنع التهريب ومكافحة المهربين والمحتكرين وكل المافيات المصرفية وسواها من الشركات والجمعيات الوهمية، وبإلغاء كل الإعفاءات الضريبية، وبإخضاع كل النفقات والصفقات إلى المراقبة والمحاسبة العمومية، لأن استمرار الدولة على هذا النحو من الفوضى والفلتان والتسيّب سيودي بنا إلى انهيار مالي واقتصادي لا أحد يعرف مداه".
وحذر من أن "الوقت داهم، والتحديات صعبة، فإما أن تنجح هذه الحكومة في التوصل إلى إقرار موازنة معقولة ومقبولة، وذات مفاعيل اقتصادية وإنمائية واجتماعية، والانطلاق برؤى واضحة وشفافة وخطى ثابتة نحو الإصلاح الحقيقي والخروج من دولة الطوائف والفدراليات والمحسوبيات، والدخول إلى دولة المؤسسات والكفاءات، دولة إذا قالت صدقت، وإذا وعدت وفت؛ وإما أن نسقط جميعاً ونكون أمام هول الكارثة.
وأضاف:"لا يسعنا ونحن في رحاب شهر الخير والرحمة، إلا أن نذكّر الرؤساء الثلاثة، بقانون العفو العام، ونناشدهم العمل معاً على حسم هذا الملف الهام بأسرع وقت، لأنه لا يجوز أن يبقى المئات من اللبنانيين، وربما الآلاف موقوفين من دون محاكمات، أو مطلوبين بمذكرات. كما نلفت عنايتهم إلى مسؤولياتهم الوطنية والإنسانية والأخلاقية تجاه جميع اللبنانيين، لاسيما أولئك المخطوفين والمحتجزين والمغيبين، وفي مقدمتهم الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه، وضرورة كشف مصيرهم، وتأمين عودتهم".
وسأل الله العلي القدير أن يوفقنا إلى صيامه وقيامه، ويجعله شهراً مباركاً، وأمناً وسلاماً على لبنان واللبنانيين، والأمة العربية والإسلامية جمعاء".
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News