يتحمل رئيسا الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام ما آلت إليه الأمور راهناً، بسبب المسارعة في تقديم “وجبة دسمة” عبر إصدار قرار تجريد حزب الله من سلاح في جلسة 5 آب الشهيرة، فجاءت تل أبيب للاستفادة منه من دون أي مقابل.
ويبدو رئيس الجمهورية تحديداً، أكثر من غيره، عالقاً في دوامة وعوده. فمن جهة، يحاول أن يظهر بمظهر القادر على تحقيق قفزة نوعية في مسألة “حصر السلاح”، وهو ما سيُحسّن من وضعه المتعثر أميركياً، ومن جهة أخرى عالق – أو علّق نفسه – بوعود أطلقها على الملأ بعيد القرار الحكومي الشهير، باعتباره كأنه لم يكن في حال تخلفت الجهتان المعنيتان به (قاصداً إسرائيل وسوريا) عن تحقيق التزاماتهما بشأنه.
بالنسبة إلى إسرائيل، وبناءً على نتائج زيارة الوفد الأميركي برئاسة توم براك وعضوية مورغان أورتاغوس، فإن الزيارة، وبحسب مطلعين، خالفت ما كان بُثّ في بيروت من معلومات تشير بوضوح إلى حصول اتفاق بين تل أبيب وواشنطن عبر براك، يقضي بأن تقوم الأولى بما يمكن تسميته “تعديلات” على برنامج عملها العسكري في لبنان، ما يجعل الحكومة اللبنانية تستفيد منه للدفع قدماً باتجاه توفير مناخات نزع السلاح. لتكشف شمس نهار الزيارة عن أن براك لم يصطحب معه من تل أبيب أي تقديمات حتى ولو كانت سخيفة، إنما تبدو إسرائيل ملتزمة أكثر من أي وقت مضى باستئناف مشروعها الرامي إلى نزع سلاح حزب الله، وإنما هي باتت الآن أكثر تعلقاً به من أي وقت مضى، وهي مستعدة للذهاب بعيداً في هذا المشروع ربطاً بقرار مجلس الوزراء اللبناني. وعليه، تصبح تسريبات موقع “أكسيوس” التي دونها الكاتب الإسرائيلي براك رفيد مقصودة قبل زيارة براك، وأتت في سياق ممارسة تضليل وخداع إضافيين وموصوفين على لبنان لمحاولة نيل محصول تنازلي إضافي منه.
يُنقل عن مرجع مسؤول وصفه توم براك بـ”الكذاب”، وذلك بعد أن تخلى المرجع عن تحفظه في تناول الأمور في إطار من الدبلوماسية، باعتبار أن الضيف الأميركي يتعمد عدم التعاطي مع الملفات بهذه الطريقة. ويضيف، بحسب ما يُنقل عن زواره، أنه كان ينتظر أن يأتي براك محملاً بأفكار وترتيبات معينة ربطاً بما أقرته الحكومة اللبنانية وبما سبق أن وعد به في بيروت خلال زيارته ما قبل الأخيرة، ليتفاجأ بأن مبعوث “الرئيس ترمب” أتى بخطاب إسرائيلي واضح يربط بين بدء الدولة اللبنانية بنزع السلاح فعلاً مقابل قيام إسرائيل بخطوة معينة. وهو ما يعتبره المرجع يناقض تماماً ما عبرت عنه الحكومة ابتداءً، بأن مبدأ “الخطوة مقابل خطوة” يبدأ بقرار من مجلس الوزراء اللبناني وليس من تنفيذه. بناءً عليه، يُفهم بأن الأمور عادت إلى نقطة الصفر، و”مكانك راوح” بانتظار تصعيد إضافي يشبه ما بات يحصل كل خميس تقريباً في الجنوب!
أما في شأن سوريا فالأمور ليست أقل سوءاً. تمارس دمشق مزيداً من الخداع بحق لبنان. فتارة تبلغ – وبخلاف الطرق الدبلوماسية المعتمدة بين الدول – رغبة وفد منها بزيارة بيروت، وتارة تقلع عن الفكرة وتتراجع عنها من طرف واحد ومن دون إبلاغ رسمي، وأحياناً أخرى تتخذ الدولة السورية مواقف تمس فعلياً بصورة لبنان. وهو أسلوب يبدو أنه يُظهر دمشق كطرف معادٍ للدولة اللبنانية لا العكس. وطالما أن الأمور تجري على هذا النحو، ودمشق باتت ضلعاً يُستخدم في محاولة ليّ ذراع بيروت، فمن هو الذكي القادر على ضمان أن تقوم دمشق بإصدار موافقة على الورقة الأميركية تلتزم بموجبها بها تماشياً مع ما جرى في لبنان؟
عودة على بدء. هل أوقع رئيس الجمهورية جوزاف عون نفسه في الشباك؟ نعم فعل.
الكرة الآن في ملعب بعبدا التي خرج سيدها ليقول إن لبنان في حلّ من أي التزام تجاه الورقة الأميركية في ما لو لم توافق عليها الجهات المعنية بها. هل لدى رئاسة الجمهورية قدرة على التراجع؟ نظرياً لا. ببساطة لأن نواف سلام، وظله المتمثل في الأمير السعودي يزيد بن فرحان، لن يقبلا، أو في عبارة أوضح، لن يسمحا لرئيس الجمهورية بالتراجع خطوة إلى الوراء مهما بلغ حجمها، ولو كلفت مواجهة سياسية من العيار الثقيل.
رئاسة الجمهورية باتت موضوعة في خانة “إليك”، نعم! وما يزيد الأمور تعقيداً، أن فترة السماح التي أصدرها كل من حركة أمل وحزب الله لرئاسة الجمهورية للتصرف تكاد تنفذ.
غداً، لن يقوم لا الحزب ولا الحركة بإعادة توجيه المتظاهرين، أو إصدار بيان تراجع أو إلغاء عن تظاهرة، سواء طلابية، عمالية أو مهنية، لا إكراماً للرئاسة وتحت شعار “مسحوها بهالذقن”، ولا لأجل وعود “سنتصرف انتظروا قليلاً”.
بدءاً من الشهر المقبل، لا أحد يعتقد بأن الدولة ستبقى متروكة حرة التصرف في هذه المسألة. وبوضوح، لا أحد يستطيع انتزاع الناس من الشارع فيما لو قررت النزول، مهما بلغ حجم هذا الأحد. ببساطة لأن ثمة أحداً ما في مكان ما يستفز هؤلاء الناس ويريد انتزاع سلاحهم من دون ثمن، ويقول لهم: “موتوا ونحن سنتصرف”.
من يتصرف الآن هي إسرائيل وواشنطن ويزيد بن فرحان وإلى جانبهم أمير حكومة تنظيم القاعدة في دمشق، ولا أحد بخلاف هؤلاء من أركان الدولة الكريمة لديه جرأة أو جزء قليل من القدرة على التصرف.