كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تفاصيل مثيرة عن عملية استهداف غير مسبوقة لأعلى المستويات القيادية في إيران، حين تمكّنت إسرائيل من تعقّب اجتماع سري للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في قلب طهران خلال الأيام الأولى من الحرب الأخيرة.
العملية، التي جرت في 16 حزيران الماضي، وُصفت بأنها من أخطر الاختراقات الأمنية التي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية منذ عقود.
الاجتماع عُقد في مخبأ محصن على عمق يقارب 100 قدم تحت منحدر جبلي غربي طهران، بحضور الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، ووزير الاستخبارات، إضافة إلى قيادات عسكرية بارزة.
دخل المسؤولون تباعًا في سيارات منفصلة، دون هواتف محمولة، وسط إجراءات أمنية مشددة لتجنب التعقب.
لكن بعد دقائق على بدء اللقاء، شنت المقاتلات الإسرائيلية غارة مفاجئة، وألقت ست قنابل ضخمة على مداخل المخبأ. لم يُصب أي من القادة، غير أن عدداً من الحراس المتمركزين في الخارج قُتلوا، ما أحدث فوضى وارتباكاً بين الحاضرين داخل القاعة.
التحقيقات الإيرانية أظهرت أن إسرائيل لم تعتمد على الصدفة. فقد تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من اختراق هواتف الحراس والسائقين المرافقين للمسؤولين، الذين لم يلتزموا بالمعايير الأمنية الصارمة كقياداتهم. هذه الثغرة سمحت بكشف تحركاتهم وتحديد موقع الاجتماع بدقة.
ساسان كريمي، النائب السابق للرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، علّق قائلاً: "المسؤولون التزموا بعدم استخدام الهواتف، لكن الحراس والسائقين لم يأخذوا الأمر بجدية، فكانت النتيجة كارثية".
بحسب "نيويورك تايمز"، جُمعت هذه التفاصيل من مقابلات مع خمسة مسؤولين إيرانيين كبار، وعضوين من الحرس الثوري، وتسعة مسؤولين عسكريين واستخباراتيين إسرائيليين.
وتُظهر القصة أن حرب التجسس بين تل أبيب وطهران لم تعد تقتصر على مراقبة العلماء أو استهداف أفراد بعينهم، بل وصلت إلى اختراق قمة صناعة القرار الإيراني.
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل على مدى سنوات نجحت في تجنيد عملاء واستخدام تقنيات متطورة لاختراق أكثر الدوائر حساسية في إيران، وهو ما انعكس في عمليات تصفية لعلماء وقادة عسكريين في يونيو الماضي، وُصفت بأنها "مدمرة" للأجهزة الأمنية الإيرانية.
إثر هذه الاختراقات، شنت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات داخل الجيش والمخابرات والحكومة، شملت عشرات الضباط والمسؤولين، بعضهم برتب رفيعة، للاشتباه في تعاونهم مع إسرائيل.
كما أُعدم العالم النووي روزبه فادي هذا الشهر بعد إدانته بالتجسس وتسهيل اغتيال عالم آخر.
ورغم هذه الإجراءات، لم تؤكد إسرائيل أو تنفِ أي صلة لها بالمتهمين، مكتفية بترك طهران أمام أسئلة محرجة حول مدى اتساع شبكة الاختراق.
القصف الذي استهدف المخبأ في طهران لم يحقق هدفه المباشر بقتل كبار القادة، لكنه وجّه ضربة قاسية لهيبة المؤسسات الأمنية الإيرانية. فنجاة المسؤولين لا تُلغي حقيقة أن تل أبيب وصلت إلى عتبة غرفهم السرية.
ويرى محللون أن ما جرى في حزيران الماضي يؤشر إلى تحوّل نوعي في المواجهة، حيث لم تعد العمليات مقتصرة على اغتيالات فردية أو ضربات متفرقة، بل باتت معارك مفتوحة ذات أبعاد استراتيجية، تُعيد رسم موازين القوى في المنطقة.