ما كُشف في هذا الملف "الفضيحة" لا يقتصر على اسمٍ أو منطقة، بل يطاول نموذجًا متكرّرًا في لبنان، وهو عبارة عن سياسيين يراهنون على إشارات ملتبسة، أو "تفويضات" مزعومة، أو أضواء خضراء منسوبة إلى عواصم الخارج، ويُبنى عليها خطاب داخلي ونفوذ سياسي، قبل أن يتبيّن لاحقًا أنّ الأساس لم يكن سوى وهمٍ منسوج عبر وسطاء واحتيال سياسي.
الإشكالية هنا لا تتعلّق بأشخاص محددين، بل بمنهجية خطيرة باتت مألوفة في النظام اللبناني، حيث تُستبدل الشرعية الشعبية بإيحاءات خارجية ورسائل مشفرة ودعاية تسويقية، وتُقدَّم الزعامة لشخصيات وكأنها منحة تُمنَح، لا مسؤولية تُنتَزع بثقة الناس والعمل العام والتراكم السياسي وصلابة المواقف.
لبنان، بكل تاريخه وتعدديته، لم يكن يومًا بلد "تفويضات"، بل توازنات دقيقة، وزعاماته الحقيقية نشأت من الأرض وعلى العلن، لا من خلال الهواتف النقالة ولا عبر الرسائل المجهولة.
وما يزيد المشهد إرباكًا هو حين تتناقض الادعاءات مع الوقائع السياسية المعلنة، وحين يُسوَّق دعم خارجي مفترض في لحظة إقليمية لا تنسجم أصلًا مع التموضع السياسي العلني لبعض من روّجوا لهذه السرديات. عندها، يصبح السؤال، هل نحن أمام سوء تقدير سياسي؟ أم أمام انخداع مقصود بوهمٍ جرى تضخيمه لخدمة طموحات داخلية؟
إن انكشاف شبكة "أبو عمر" أسقط هذه السرديات دفعة واحدة، وأعاد طرح سؤال أساسي على اللبنانيين جميعًا، كيف تُصنَع الزعامة في لبنان؟ وهل ما زلنا نقبل بزعامات تقوم على الوهم، أم آن الأوان للعودة إلى المعيار الوحيد القابل للحياة، وهو إرادة الناس والشرعية الشعبية، والوضوح السياسي؟
في الخلاصة، ما سقط ليس شخصًا ولا رواية فحسب، بل سقط وهمٌ كامل من أوهام السياسة اللبنانية. ومع سقوط "الأمير الوهمي" لا بد من تذكيرٌ بديهي لكنه ضروري، في لبنان، كما في كل دولة تحترم نفسها، لا تصمد الزعامات المصنوعة، ولا يبقى إلا ما بُني على الحقيقة.