"ليبانون ديبايت"
أعادت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، التي أعلنت عنها الولايات المتحدة فجر السبت، تسليط الضوء على شخصية تُعد من الأكثر نفوذًا وإثارة للجدل داخل النظام الحاكم في فنزويلا. ففلوريس، التي ظهرت لسنوات بوصفها “السيدة الأولى”، لم تكن يومًا مجرد زوجة رئيس، بل شكّلت أحد أعمدة المنظومة السياسية والقانونية التي أحاطت بمادورو منذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة.
سيليا أدّيلا فلوريس محامية وسياسية فنزويلية، برز اسمها في تسعينات القرن الماضي ضمن التيار البوليفاري الذي قاده الرئيس الراحل هوغو تشافيز. ومع صعود هذا التيار إلى الحكم، تدرّجت فلوريس في مناصب حساسة داخل الدولة، ما جعلها من الوجوه القليلة التي جمعت بين النفوذ الحزبي والدور المؤسساتي.
تولّت فلوريس رئاسة الجمعية الوطنية الفنزويلية بين عامي 2006 و2011، في مرحلة كانت فيها المؤسسة التشريعية أداة مركزية لترسيخ سلطة تشافيز وحلفائه. ولاحقًا شغلت منصب النائب العام، ما منحها موقعًا استثنائيًا عند تقاطع السياسة بالقضاء، ورسّخ صورتها كأحد أعمدة “الدولة العميقة” داخل النظام البوليفاري. وبعد وفاة تشافيز وانتخاب مادورو رئيسًا عام 2013، انتقلت فلوريس إلى موقع السيدة الأولى، من دون أن تتراجع أدوارها السياسية أو تأثيرها داخل مراكز القرار.
غالبًا ما تُقدَّم علاقة مادورو بفلوريس على أنها شراكة سياسية بقدر ما هي علاقة زوجية. فالتقارير التي تناولت مسار الحكم في فنزويلا تشير إلى أن فلوريس لعبت دورًا مهمًا في تثبيت موقع مادورو داخل الحزب الحاكم وفي إدارة التوازنات الداخلية، مستندة إلى شبكة علاقات واسعة داخل البرلمان والنيابة العامة وأطر الحزب.
الجدل الدولي حول فلوريس تصاعد بشكل حاد منذ عام 2018، عندما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراجها على لوائح العقوبات، معتبرة إياها جزءًا من “الدائرة المقربة” من مادورو. وشملت العقوبات تجميد أي أصول محتملة لها في الولايات المتحدة ومنع التعامل معها، في خطوة عكست تعامل واشنطن معها كشخصية سياسية فاعلة لا كمجرد زوجة رئيس. وتكرّر إدراج اسمها لاحقًا في بيانات أميركية تتعلق بتوسيع العقوبات على محيط السلطة في كاراكاس.
ومن أكثر الملفات حساسية المرتبطة باسم فلوريس، قضية اثنين من أقاربها اللذين اعتُقلا عام 2015 في عملية نفذتها إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، وأدينا لاحقًا أمام القضاء الأميركي بتهم تتعلق بتهريب المخدرات. هذه القضية، التي عُرفت إعلاميًا باسم “ناركو-سوبرينوس”، شكّلت مادة دائمة في الخطاب الأميركي ضد النظام الفنزويلي، في حين اعتبرتها كراكاس دليلًا على “تسييس القضاء” واستخدام العائلة الحاكمة كأداة ضغط سياسي.
اليوم، ومع إعلان اعتقال مادورو وفلوريس معًا، يكتسب اسم سيليا فلوريس بعدًا جديدًا في المواجهة المفتوحة بين واشنطن وكراكاس. فإدراجها صراحة في إعلان الاعتقال يفتح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تنوي الولايات المتحدة تحميله لها، وحول ما إذا كانت ستُعامل كمسؤولة سياسية قائمة بذاتها أم كجزء من ملف واحد مع زوجها.
وبينما لا تزال تفاصيل مكان الاحتجاز والمسار القضائي المحتمل طي الكتمان، تبدو سيليا فلوريس واحدة من أبرز الشخصيات التي تختصر مسار النظام الفنزويلي خلال العقدين الأخيرين: من صعود سياسي وقانوني داخل مؤسسات الدولة، إلى التحوّل إلى هدف مباشر للعقوبات الأميركية، وصولًا إلى وضعها اليوم في قلب واحدة من أخطر الأزمات السياسية والدبلوماسية في تاريخ فنزويلا الحديث.