مع استيقاظ العالم على أنباء الضربات العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال ونقل الرجل القوي في البلاد نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، تصاعدت التساؤلات حول ما إذا كان الرئيس الفنزويلي قد تعرّض لخيانة من داخل دائرته الضيّقة.
وبحسب تقرير لشبكة فوكس نيوز، تضمّ هذه الدائرة شخصيات نافذة أبرزها ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية والعدل والسلام، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنّ نفوذه يوازي نفوذ مادورو نفسه، إضافة إلى فلاديمير بادرينو لوبيز، القائد المخضرم للقوات المسلحة الفنزويلية وصاحب السلطة العسكرية الأوسع في البلاد.
ورغم أنّ كابيو وبادرينو لوبيز سارعا إلى إدانة التحركات الأميركية، إلا أنّ ردودهما بدت، في نظر كثيرين، باهتة وغير مقنعة. ويُنظر إلى كابيو اليوم على أنّه الوريث غير المتنازع عليه للحركة التشافيزية، فيما تُظهر المؤشرات أنّ بادرينو لوبيز والمؤسسة العسكرية يقفان في صف واحد معه. ومع ذلك، لم تُسجَّل أي مقاومة تُذكر من جانب القوات المسلحة خلال تنفيذ العملية الأميركية.
وفي مقطع فيديو نُشر على منصة “إكس”، هاجم بادرينو لوبيز ما وصفه بـ“العدوان العسكري الإجرامي” للولايات المتحدة، متهمًا واشنطن بقصف مواقع في فويرتي تونا بكراكاس، إضافة إلى ولايات ميراندا وأراغوا ولا غوايرا. وكرّر خطابًا يعود إلى عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، معتبرًا أنّ وجود القوات الأجنبية “لم يجلب سوى الموت والألم والدمار”، وأنّ ما جرى “مدفوع بجشع لا يشبع تجاه الموارد الاستراتيجية لفنزويلا”.
ومع رصد مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل رأس مادورو، وتراجع شعبيته داخليًا، والانتخابات المتنازع عليها عام 2024 التي رفض المجتمع الدولي نتائجها على نطاق واسع واعتبرها مزوّرة، بدت نهاية حقبة مادورو ملامحها واضحة منذ سنوات.
واليوم، بات مادورو وزوجته “ضيفين” لدى الحكومة الأميركية، حيث يُرجّح أن يواجها محاكمة وُصفت بأنها “محاكمة العقد”، على خلفية اتهامات تتعلق بالأسلحة والمخدرات.
في المقابل، أشاد خورخي خرايساتي، رئيس مجموعة الإدماج الاقتصادي في فنزويلا، بالعملية، معتبرًا أنّها قد “تفتح عصرًا جديدًا من السلام” إذا سارت الأمور كما هو متوقّع. وقال إنّ مادورو “حوّل البلاد إلى دولة سلطوية”، معتبرًا أنّ ما جرى ما كان ليحدث لو قبل بخسارته في انتخابات 2024 وغادر السلطة سلميًا.
لكنّ خبراء تساءلوا عن الكيفية التي نُفذت بها العملية بهذه السلاسة، من دون أي مؤشرات واضحة على مقاومة، ما عزّز فرضية وجود تواطؤ من داخل النظام. واعتبر خرايساتي أنّ سرعة اعتقال مادورو تُظهر امتلاك الولايات المتحدة معلومات استخباراتية قوية على الأرض، مشيرًا إلى أنّ “فنزويليين كانوا يتعاونون بنشاط مع الأميركيين”، واصفًا العملية بأنّها “نصر كبير لواشنطن”.
وأضاف أنّ عملية دونالد ترامب “ليست ضد الشعب الفنزويلي، بل ضد من اضطهدوه وحوّلوا البلاد إلى أزمة إنسانية”.
ويرى مراقبون أنّ إسقاط مادورو من دون تفكيك بقية بنية السلطة التشافيزية قد يفتح الباب أمام إشكالات خطيرة، إذ من غير المرجّح أن يُشرف كابيو أو بادرينو لوبيز على انتخابات قد يخسرانها، لما قد يعرّضهما وثرواتهما لمخاطر جسيمة.
ويعمل المحللون حاليًا على تقييم الجهات التي قد تكون شاركت في عملية الاعتقال، وسط تقارير عن عميل راسخ لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) كان يزوّد واشنطن بمعلومات دقيقة عن مكان وجود مادورو، بحسب “فوكس نيوز”.
وفي ظلّ الغموض الذي يلفّ مستقبل فنزويلا، سارع المواطنون إلى تخزين الغذاء والوقود. ومع تولّي ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، منصب رئيسة الدولة مؤقتًا بحكم القانون، يُتوقّع احتدام الصراع على السلطة مع ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الحائزة مؤخرًا على جائزة نوبل للسلام، والتي يُرجّح أن تفوز بأغلبية ساحقة في أي انتخابات حرّة ونزيهة، رغم أنّ مكان وجودها لا يزال مجهولًا منذ مغادرتها النرويج منتصف كانون الأول بعد تسلّمها الجائزة.
ويجمع خبراء الشأن الفنزويلي على أنّ الحركة التشافيزية لن تغادر مسرح الحكم بهدوء، إذ قد يختار كابيو وبادرينو لوبيز وسائر الموالين القتال حتى النهاية، أو السعي إلى خروج آمن، ربما إلى هافانا أو موسكو، وهما الخياران الأكثر ترجيحًا.