فقد اعتبر حراك المعلّمين المتعاقدين أنّ ما أقدم عليه وزير المالية ياسين جابر، عبر توقيع مرسوم يمنح المتقاعدين المدنيين منحة مالية شهرية، يشكّل مظلَمة صارخة بحق المعلّمين الذين ما زالوا في الميدان التربوي، ويواجهون يوميًا أعباء العمل في ظروف معيشية قاسية، من دون أي تحسين يُذكر في رواتبهم أو بدلات أتعابهم.
مرسوم يُشعل الغضب
المرسوم، المُحال إلى رئاسة مجلس الوزراء لاستكمال مساره القانوني، ينصّ على تخصيص المتقاعدين المدنيين بمنحة شهرية قدرها 12 مليون ليرة لبنانية، تُعدّ مستحقّة اعتبارًا من شهر آب 2025، وتُصرف فور استكمال التواقيع الرسمية.
وإذ يؤكّد المعلّمون أنّهم لا يعترضون على إنصاف المتقاعدين بحدّ ذاته، فإنّ جوهر الاعتراض، وفق الحراك، يكمن في تجاهل حقوق العاملين حاليًا في التعليم الرسمي، وحرمانهم من أبسط مطالبهم المالية، وكأنّ البقاء في الخدمة بات عبئًا لا استحقاقًا.
عقاب من يعمل… ومكافأة من تقاعد
وفي هذا السياق، شدّد منسّق حراك المعلّمين المتعاقدين، حمزة منصور، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، على أنّ وزير المالية يواصل عمليًا مصادرة حقوق المعلّمين الذين لا يزالون في الخدمة، من خلال:
منع زيادة أجور التصحيح والمراقبة،
رفض رفع رواتب المعلّمين الملاك،
الإبقاء على أجر الساعة للمتعاقدين عند مستويات لم تعد تلبّي الحدّ الأدنى من متطلبات العيش.
وأضاف منصور أنّ الصورة باتت شديدة القسوة، إذ تبدو الدولة وكأنّها تُكافئ الغياب وتُعاقب الحضور، معتبرًا أنّ الاستمرار في الصفوف الدراسية لم يعد قيمة مُعترفًا بها في السياسات المالية المعتمدة.
تساؤلات مشروعة… وريبة متزايدة
ولم يُخفِ منصور ما يتردّد في الكواليس من تساؤلات تتصاعد حدّتها في الأوساط التعليمية والرأي العام، حول خلفيات هذه القرارات، وما إذا كانت تستند إلى معايير عدالة واضحة، أو تخضع لحسابات أخرى.
وأشار إلى تكاثر علامات الاستفهام حول العلاقة التي تجمع مجموعة من المتقاعدين بوزير المالية، متسائلًا عمّا إذا كانت الخزينة العامة تُدار بمنطق القرب والصِلات، لا بمنطق الحقّ والإنصاف.
نداء إنصاف قبل الانفجار
وختم منصور بالتأكيد أنّ الاستمرار في هذه السياسة سيقود حتمًا إلى مزيد من الاحتقان داخل الجسم التعليمي، محذّرًا من أنّ المدرسة الرسمية لا يمكن أن تصمد إذا بقي معلّموها مهمَّشين، فيما تُوزَّع المنح وفق معايير انتقائية. وأضاف: لسنا ضد المتقاعدين، لكننا نرفض أن يُجوَّع من يعمل، وأن يتحوّل الخروج من الخدمة إلى الشرط الوحيد لنيل الحدّ الأدنى من العدالة.
هكذا، يتحوّل مرسوم مالي واحد إلى مرآة تعكس خللًا أعمق في أولويات الدولة، ويعيد طرح سؤال بات ملحًّا: أيّ سياسة مالية تُدار في لبنان، وأيّ عدالة تُبنى حين يُترك المعلّم العامل وحيدًا في مواجهة الانهيار؟