يعتقد الباحث والمتخصص بالشؤون الإيرانية، الدكتور خالد الحاج، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن حرب الأيام الـ12 تُعد أحد العوامل الأساسية في تفاقم الأزمة النقدية والانهيار المالي في إيران. بعد انتهاء الحرب، سارعت طهران إلى ضخ أموال ضخمة وبوتيرة متسارعة لإعادة إعمار أكثر من ألف موقع تضرر، بالتوازي مع الإنفاق المكثف على شراء الأسلحة والطائرات وتعزيز الجهوزية العسكرية، ما شكّل ضغطًا هائلًا على المالية العامة والعملة الوطنية.
وفي هذا السياق، تظهر صور الأقمار الصناعية الصادرة عن Institute for Science and International Security قيام إيران بتطوير بنية تحتية وأنظمة حماية متقدمة في منشأة «تالغان 2» البحثية، وهي من المواقع المحورية المرتبطة ببرنامجها النووي. وتُظهر الصور إنشاء منشأة جديدة ذات شكل أسطواني داخل مبنى مُحصّن، يبلغ طولها حوالي 36 مترًا وقطرها نحو 12 مترًا، ويُرجح أنها صُمّمت لاختبار المتفجّرات، ما يثير مخاوف جدية بشأن ارتباطها المحتمل بأبحاث الأسلحة النووية.
ويشير الحاج إلى أن هذا الموقع الجديد يبعد أقل من 200 متر عن منشأة «تالغان 1» التي دمّرتها إسرائيل في أكتوبر 2025، والتي كانت تضم حاوية كبيرة للمتفجّرات استُخدمت سابقًا ضمن البرنامج النووي الإيراني. وتمتاز المنشأة الجديدة بمستوى تحصين أعلى يشمل قبوًا خرسانيًا وتلالًا ترابية وتدابير هندسية مُعززة لزيادة قدرتها على مقاومة الضربات الجوية. يأتي هذا التطور بالتزامن مع تقارير عن زيارات سرية لخبراء نوويين إيرانيين إلى روسيا بهدف الحصول على تكنولوجيا متقدمة، ما يزيد منسوب القلق الدولي، ويؤكد أن الكلفة الاقتصادية لما بعد الحرب لم تكن مقتصرة على إعادة الإعمار فحسب، بل شملت انخراطًا عميقًا في مسار عسكري–تقني عالي الكلفة، انعكس مباشرة على الاستقرار المالي والنقدي للبلاد.
وبالعودة إلى التظاهرات، يرى الحاج أن إيران تعيش ضغطًا داخليًا حقيقيًا ناتجًا عن أزمة اقتصادية عميقة، تشمل تراجع العملة وارتفاع كلفة المعيشة. وهذه العوامل كافية بحد ذاتها لإنتاج احتجاجات واسعة، وهو أمر لا يمكن تجاهله. وبالتالي، يعاني غالبية الشعب الإيراني اليوم بشكل كبير اقتصاديًا، لكن دخول العامل الخارجي، سواء عبر الحرب النفسية أو الاختراقات الاستخبارية المعلنة أحيانًا، يعقد المشهد ولا يلغي الأزمة.
أما عن خيارات النظام اليوم، فهي محصورة وفق الحاج بين الاحتواء الاقتصادي المحدود، وهو أمر صعب جدًا، والضبط الأمني المحسوب، ومحاولة ربط الحراك بالخارج لتبرير التشدد، أو نقل الصراع إلى الخارج عبر تصعيد إقليمي. غالبًا ما يلجأ النظام إلى مزيج من هذه الخيارات، لأن أيًا منها منفردًا لا يقدم حلاً جذريًا.
وفيما يخص احتمال شن حرب أميركية–إسرائيلية على إيران قريبًا، يرى الحاج أن الحرب قائمة من الناحية النظرية، لكنها قد تتأخر بسبب الحراك الشعبي الداخلي، والرهان على انهيار إيران بفعل الشعب، لأنه سيكون أقل تكلفة على إسرائيل والولايات المتحدة من الحروب المباشرة.
ونظرًا لارتباط أحد المكونات اللبنانية بإيران، فإن لبنان، بحكم موقعه وتركيبته، سيكون من أوائل المتأثرين، سواء عبر توتر أمني أو ضغط اقتصادي إضافي أو تصاعد الانقسام الداخلي.
ويضيف الحاج أن تدخل حزب الله أو اليمن في المعركة للدفاع عن إيران مرتبط بطبيعة المواجهة: إذا بقيت الضربات محدودة، قد يكون الرد مضبوطًا أو غير مباشر، أما إذا تحولت المواجهة إلى حرب وجودية تستهدف النظام في طهران، فاحتمالات توسيع الصراع إقليميًا تصبح أعلى، لأن المعركة عندها لن تُقرأ كجولة عسكرية بل كصراع مصير.