في هذا السياق، يختصر الكاتب والمحلل الاقتصادي أنطوان فرح، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، جوهر ما أعلنه سعيد بعبارة واحدة: "كفى"، فالحاكم بدا وكأنه يرفع يده معلناً نقطة تحوّل حاسمة في مقاربة مصرف لبنان لدوره ووظيفته، والانتقال من مرحلة سادها منطق غياب المحاسبة ووجود أشخاص ومؤسسات فوق القانون، إلى مرحلة جديدة قوامها المساءلة الصارمة وتطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء.
ويشير فرح إلى أن الرسائل التي وجّهها سعيد كانت واضحة ومتعددة الاتجاهات، إلا أن رسالتين أساسيتين برزتا بشكل خاص، الرسالة الأولى وُجّهت إلى الحاكمية السابقة لمصرف لبنان وإلى السياسات التي اعتُمِدت خلالها، وما رافقها من هدر أو شبهات اختلاس وسوء إدارة للمال العام، وهي مسائل سيُحسم توصيفها القانوني والقضائي عبر التحقيقات الجارية، إلا أن اللافت في موقف سعيد هو إعلان مصرف لبنان، بقيادته، الاستعداد لأن يكون طرفاً مدّعياً وشريكاً كاملاً في الملاحقات القضائية بحق المرحلة السابقة، بهدف استعادة الأموال المنهوبة وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين، أي المودعين، أما الرسالة الثانية، فكانت موجهة مباشرة إلى الدولة اللبنانية، التي دأبت لسنوات على التهرّب من مسؤولياتها المالية تجاه مصرف لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بالقرض الذي يُقدّر بنحو 16.5 مليار دولار، والذي جرى التشكيك بوجوده أو محاولة طمسه محاسبياً في مراحل سابقة.
ويلفت إلى أن موقف سعيد جاء حاسماً في هذا الإطار، إذ لم يكتفِ بالمطالبة الصريحة بهذا القرض، بل دعا إلى إجراء جردة شاملة بكل الأموال والقروض والتسهيلات التي قدّمها مصرف لبنان للدولة والحكومات المتعاقبة، تمهيداً لتحديد الحجم الحقيقي للأموال المترتبة في ذمة الدولة اللبنانية.
ويطرح فرح السؤال البديهي الذي يفرض نفسه على أي مراقب: لماذا يطلق كريم سعيد هذا الموقف الآن وليس في وقت سابق؟ ويُرجع ذلك إلى سببين أساسيين: الأول، حرصه على استكمال جمع الملفات والتدقيق في تفاصيلها القانونية والمالية قبل الإعلان عنها، تفادياً لأي ثغرات أو التباسات، والثاني، انطلاقه من موقعه كرجل قانون، يدرك أن أي تقاعس عن اتخاذ هذا المسار قد يضعه مستقبلاً في موضع مساءلة أو اتهام بالتقصير، لعدم دفاعه عن حقوق مصرف لبنان بوصفه الجهة الوصية عليه اليوم.
وعليه، يمكن اعتبار ما أعلنه سعيد ، وفق فرح، خطوة استباقية وحاسمة تؤسس لمرحلة دقيقة وحساسة، عنوانها استعادة دور القانون، وحماية حقوق مصرف لبنان، ومن خلفه المودعين، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو شعبوية، وفي محاولة جدية لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة والمؤسسات في واحدة من أكثر الملفات المالية تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث.