"ليبانون ديبايت"- فادي عيد
يكاد لا يمرّ يوم من أيام السنة الجديدة إلاّ ويحمل معه تطوراً سياسياً نوعياً يؤسّس بوضوح للمرحلة المقبلة، ويؤكّد أن المنطقة دخلت مساراً جديداً عنوانه إعادة رسم التوازنات وترتيب الملفات الكبرى. فبعد التطوّرات في الشارع الإيراني، التي حظيت بتشجيع أميركي غير مسبوق، والحدث الفنزويلي غير المتوقّع، والتصعيد الإسرائيلي في لبنان، جاء الحدث المتعلّق بالتفاهم الإسرائيلي ـ السوري برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية، ليشكّل محطة مفصلية إضافية في هذا المسار المتسارع.
هذا التفاهم، لا يمكن فصله عن تفاهمات اجتماع "ترامب ـ نتنياهو" غير المعلنة، إذ كان الملف السوري أحد البنود الأساسية المطروحة على طاولة البحث، حيث تؤكد المعلومات الديبلوماسية المتداولة، اهتمام ترامب بضرورة الوصول إلى تفاهمات أمنية وسياسية واضحة تؤدي إلى "ترييح" نظام أحمد الشرع، وإبقاء ملف غزة ضمن أفق الحل، إلتزاماً بالوعود التي قطعها لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وسعياً إلى تحقيق اختراق سياسي على هذا المستوى.
من هنا، يشكّل التفاهم الإسرائيلي ـ السوري برعاية أميركية، ترجمةً عملية ومباشرة للتوجه الأميركي، ويحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاجآت، سواء على مستوى الإتفاقات السياسية أو التحركات العسكرية، ما يؤكّد أن هناك خارطة طريق واضحة يجري تنفيذها تدريجياً ومن دون تردّد.
عملياً، يقرأ مصدر ديبلوماسي مطلع في هذا التفاهم، سقوط الرهانات الإقليمية على إضعاف النظام السوري، وتحويل سوريا إلى ساحة توتر مفتوحة، ذلك أن الإتفاق يؤسّس لقناة اتصال دائمة بين الطرفين، تشمل التنسيق الفوري، وتبادل المعلومات الإستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والإنخراط الديبلوماسي، وصولاً إلى فتح آفاق إقتصادية وتجارية، وكل ذلك تحت إشراف أميركي مباشر.
وتعترف المصادر الديبلوماسية ، أن هذا لا يعني حلّ الخلافات بين الجانبين، في ظل تمسّك دمشق باتفاقية أمنية تعيد الأمور إلى ما كانت عليه بموجب اتفاقية فك الإشتباك لعام 1974، أي انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق السورية التي دخل إليها بعد 8 كانون الأول 2024، فيما لا تزال إسرائيل تصرّ على المحافظة على وجود عسكري في المواقع الثمانية التي أقامتها داخل الأراضي السورية، وهي مواقع شبيهة بتلك المواقع الخمسة التي ترفض الإنسحاب منها في جنوب لبنان.
وعليه، فإن ما جرى، يؤكد أن ترامب عازم على إنهاء الملفات العالقة، إمّا ديبلوماسياً وإمّا عسكرياً، ما يعني وفق المصادر نفسها، أن الملف السوري دخل مرحلة المعالجة الفعلية ضمن تفاهمات إسرائيلية ـ سورية برعاية أميركية. إنها خارطة طريق تُنفّذ بنداً بنداً… والبقية تأتي.
وإلى هذا الحدّ، فإن المطلوب من لبنان في لحظة سياسية دقيقة ومفصلية، تحدده المصادر، بأولوية "الخروج من موقع الرماديات"، إلى مقاربات واضحة وحاسمة، تبدأ بالتعامل مع جنوب لبنان كما مع كل أجزائه، وعدم التعامل مع أي جزء منه بمنطق مختلف عن باقي أجزائه، وذلك وفق منطق أن لا سلاح خارج إطار الجيش اللبناني، خصوصاً وأن واشنطن والدول الصديقة للبنان، لا تفصل إعادة الإعمار عن السلاح، كي لا يبقى الإعمار مهدّداً في كل لحظة، سيّما وأن المجتمع الدولي، الذي يُفترض أن يموّل الإعمار، لا يمكنه أن يضخّ أموالاً في دولة عاجزة عن حماية نفسها، أو عن احتكار قرار الحرب والسلم، حيث أن البديل عن ذلك هو واضح، وهو أن لبنان سيبقى يدور في حلقة الإنهيار نفسها ويكرّس معادلة "تضييع الفرص".