في عملية بدت وكأنها مشهد من فيلم هوليوودي، نفّذت الولايات المتحدة واحدة من أخطر عمليات الكوماندوس في تاريخها الحديث، تمكّنت خلالها من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله جوًا إلى الأراضي الأميركية. عملية صادمة من حيث الجرأة والتنفيذ، جمعت بين تضليل واسع، وتكنولوجيا متقدمة، واستخبارات تقليدية، وانتهت من دون خسائر بشرية أو مادية في صفوف القوات المهاجمة، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إظهار رضا واضح عن “الإنجاز”.
لكن خلف الرواية الرسمية، تكشف التفاصيل أن العملية كانت على شفير الفشل في أكثر من محطة، وأن نجاحها لم يكن نتيجة التفوق الأميركي وحده، بل لعب الحظ دورًا حاسمًا في إنقاذها. تفاصيل العملية، التي تناولها المحلل العسكري الإسرائيلي نيتسان سدان، تفتح نافذة نادرة على تعقيدات العمليات الخاصة، وعلى التداعيات السياسية والاستراتيجية التي قد تترتب عليها عالميًا.
النهاية معروفة: مادورو جرى تقييده ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث يُنتظر أن يمثل أمام القضاء. ووفق الموقف الأميركي، لا يتعلق الأمر باعتقال تعسفي، بل بإسقاط حاكم وصل إلى السلطة عام 2013، واتُّهم بقيادة نظام قمعي مارس العنف المنهجي ضد معارضيه، وارتبط اسمه بما تصفه واشنطن بـ“إرهاب الدولة”. إدارة ترامب حمّلت مادورو مسؤولية مباشرة عن تفاقم أزمة المخدرات داخل الولايات المتحدة، بسبب علاقاته مع كارتيلات أميركا اللاتينية.
التحضيرات بدأت عمليًا في صيف 2025، حين شهد البحر الكاريبي شمال فنزويلا انتشارًا متزايدًا للسفن الحربية الأميركية، وبدأت الطائرات باستهداف زوارق مرتبطة بتهريب المخدرات. أطلقت واشنطن على هذه المرحلة اسم عملية “Southern Spear” (الرمح الجنوبي)، ورافقتها حملة إعلامية صاخبة. ظاهريًا، بدا الأمر استعراض قوة جديدًا من ترامب، شبيهًا بسوابق انتهت دون مواجهة شاملة. لكن في العمق، كان الجيش الأميركي يعدّ لضربة استثنائية.
فجر الثالث من كانون الثاني، قبيل الساعة الثانية صباحًا، تحرّك المشهد دفعة واحدة. انفجارات ضخمة أضاءت سماء فنزويلا في سبع مناطق مختلفة، في مشهد أوحى باندلاع حرب كاملة. الهجوم بدأ بعملية سيبرانية واسعة عطلت شبكات الاتصال والقيادة والسيطرة، تلاها استهداف رادارات استراتيجية بصواريخ كروز أطلقتها سفن حربية، وغارات نفذتها قاذفات B-1. بالتوازي، شنّت مقاتلات F-18 التابعة للبحرية الأميركية هجمات مكثفة على منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية، بما فيها بطاريات S-300 بعيدة المدى وBUK متوسطة المدى.
خلال وقت قصير، فُتحت الأجواء بالكامل، ودخلت أكثر من 150 قطعة جوية إلى مسرح العمليات: مقاتلات، مسيّرات، مروحيات هجومية، وطائرات استطلاع. قواعد عسكرية تحولت إلى ركام، والنيران أضاءت الليل. لكن الهدف لم يكن إسقاط الجيش الفنزويلي أو تمهيد غزو شامل، بل إقناع كاراكاس بأن حربًا كبرى قد اندلعت. وسط هذا الضجيج الهائل، اختفى صوت شفرات المروحيات.
ما لا يقل عن عشر مروحيات هجومية سريعة من طرازي “تشينوك” و”بلاك هوك” اخترقت الأجواء على ارتفاع منخفض، وتسللت بين أحياء كاراكاس وصولًا إلى مجمع “فورتا تيونا”، حيث يقع مقر الإقامة المحصن لمادورو. نحو 200 عنصر من قوة “دلتا”، وحدة النخبة في القوات الخاصة الأميركية، انزلوا بالحبال، طوقوا المكان، وظهروا فجأة داخل المقر السكني. خلال لحظات، تم سحب مادورو وزوجته سيليا فلوريس من غرفة النوم، قبل أن يستوعب الحرس الرئاسي ما يجري.
الصدمة لم تدم طويلًا. القوات الفنزويلية بدأت بإطلاق نار كثيف، وأصيب ما لا يقل عن سبعة من عناصر الكوماندوس. مروحيات مسلحة وفّرت غطاءً ناريًا، فيما كانت المسيّرات تمسح الأسطح والشرفات. بعد ذلك، انسحب الفريق كاملًا ومعه مادورو وزوجته، في عملية حملت الاسم الرمزي “Absolute Resolve” (الحزم المطلق)، وانتهت بنجاح.
غير أن هذا النجاح كان هشًا إلى حد مخيف. أجهزة الاستخبارات الأميركية عملت لسنوات: أقمار صناعية، وسائل سيبرانية، عملاء ميدانيون، وتحليل دقيق لروتين مادورو وحراسه وحتى كلاب الحراسة. ومع ذلك، كادت الخطة أن تنهار أكثر من مرة.
أخطر اللحظات وقعت عندما أدرك مادورو وزوجته أن هجومًا يجري، وشرعا بالتحرك نحو غرفة محصنة داخلية. لو أُغلق باب تلك الغرفة، لكان إخراجهما شبه مستحيل. القوات وصلت في اللحظة الأخيرة تمامًا، إلى حد أن الاثنين ارتطما بالباب المدرع أثناء سحبهما بالقوة. تأخير نصف دقيقة فقط كان كفيلًا بتحويل العملية إلى كارثة، ومنح القوات الفنزويلية وقتًا كافيًا لتطويق الموقع وإغراق الكوماندوس بالنيران.
المخاطر لم تتوقف هنا. المروحيات كان يمكن إسقاطها بسهولة. فلا وجود لسيطرة استخبارية مطلقة في أي حرب. تجربة الصومال عام 1993، في عملية “Gothic Serpent”، ما زالت حاضرة في الذاكرة الأميركية، حين أسقطت ميليشيات محلية مروحيات بلاك هوك بقذائف RPG، ما أدى إلى مقتل 18 جنديًا وفشل العملية.
في كاراكاس، ورغم التفوق الأميركي، حلّقت المروحيات فوق مناطق مضاءة، ولم تُقطع الكهرباء بالكامل، كما انتشرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحقيقي. لو نجحت القوات الفنزويلية في ربط البلاغات الشعبية بتحركات الطيران، وكان لديها عناصر بأسلحة مضادة للطائرات – حتى بدائية – لكان المشهد مختلفًا. بالفعل، بعض المروحيات أصيبت بنيران خفيفة وعادت مثقوبة، والنجاة كانت، إلى حد كبير، مسألة حظ.
العمليات الجوية في المدن تحمل مخاطر إضافية: أسلاك كهرباء، هوائيات، أشجار، جدران مرتفعة. تجربة اغتيال أسامة بن لادن عام 2011 في باكستان شاهدة، حين تحطمت مروحية شبحية داخل المجمع بسبب ارتداد الهواء من الجدران. في كاراكاس المكتظة، كان سيناريو مشابه ممكنًا في أي لحظة.
تاريخ العمليات الخاصة مليء بالأمثلة الكارثية. عملية “Eagle Claw” عام 1980 في إيران، لتحرير رهائن السفارة الأميركية، انتهت بتصادم مروحية بطائرة نقل ومقتل جنود قبل الوصول إلى الهدف. ورغم الفارق الكبير في الجاهزية مقارنة بعملية فنزويلا، إلا أن الدرس واحد: هذا النوع من العمليات محفوف بالفوضى وعدم اليقين.
ورغم كل ذلك، انتهت العملية بنجاح، وسقط مادورو، الحليف الوثيق لإيران، في الأسر. بالنسبة لواشنطن، يمثل ذلك ضربة لمحور طهران، وبالنسبة لكثيرين داخل فنزويلا، قد يُنظر إليه كعدالة متأخرة. لكن في القراءة الأوسع، تثير العملية قلقًا عميقًا.
فنزويلا والولايات المتحدة كانتا شريكتين لسنوات، وشركات أميركية ساهمت في تطوير قطاع النفط هناك. الخلافات السياسية أنهت الشراكة، وفي عام 2019 طرد مادورو تلك الشركات. خطوة سيادية قانونيًا، وإن كانت عدائية سياسيًا. بعدها، بنت واشنطن سردية تبريرية، أبرزها ملف المخدرات. لكن الأرقام تشير إلى أن أقل من 10% من الكوكايين الواصل إلى أميركا يأتي من فنزويلا، فيما تتجه النسبة الأكبر إلى أوروبا والبرازيل.
مع اقتراب نهاية 2025، أصبح الدافع أوضح. ترامب صرّح علنًا بأن النفط الفنزويلي “نريده وسنأخذه”. وبعد العملية، أعلن أن الشركات الأميركية ستعود إلى هناك لاستخراجه.
إسقاط مادورو قد يرضي خصومه، لكن السؤال الأخطر يبقى: هل يريد العالم سابقة يصبح فيها خطف قادة الدول بالقوة وسلب الموارد سياسة خارجية مشروعة؟ عالم كهذا يعني عودة شريعة الغاب، تضخم سباقات التسلح، وتحول الحروب من استثناء إلى قاعدة.
الخلاصة أن نجاح العملية في كاراكاس لا يلغي خطورتها. قد تتعلم دول أخرى من تكتيكاتها، لكن الأخطر أن تتحول إلى نموذج يُحتذى. لا في المتوسط، ولا في آسيا، ولا في أوروبا الشرقية، ولا في الشرق الأوسط شديد الهشاشة. عالم تُدار فيه السياسة بشفرات المروحيات هو عالم يقف دائمًا على حافة الانفجار.