"ليبانون ديبايت" - آمال سهيل
يشهد الداخل الإيراني منذ أسابيع تطورات لافتة أعادت فتح باب التحليل حول مستقبل النظام وحدود استقراره، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتزامنها مع تهديدات خارجية غير مسبوقة. وفي هذا الإطار، يقدّم الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد بهاء حلال قراءة شاملة لما جرى، واضعًا الاحتجاجات الأخيرة في سياق "موجة ضغط مركّبة" تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، ويمتد تأثيرها إلى ساحات الاشتباك المفتوحة، وفي مقدّمها لبنان.
موجة ضغط مركّبة على إيران
يصف الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد بهاء حلال، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، ما حصل في إيران خلال الأسابيع الماضية على أنه "موجة ضغط مركّبة"، ناتجة عن تفاعل عوامل داخلية وخارجية.
العوامل الداخلية للاحتجاجات
ومن العوامل الداخلية، يسجّل ثلاثة عوامل أدّت إلى هذه التحركات: أولها الوضع الاقتصادي الصعب، مع تفاقم التضخم وانهيار العملة وارتفاع نسبة البطالة، حيث ساهمت جميعها في تأجيج الشارع. وثاني هذه العوامل هو الاحتقان الاجتماعي والسياسي، خاصة في المناطق الفقيرة كالأهواز وبلوشستان، إضافة إلى التوتر القومي والمذهبي. أما العامل الثالث فهو أزمة الثقة بالنظام، خصوصًا بين فئات الشباب والنخب الإيرانية المختلفة، الذين يشعرون باختلاف الرؤى السياسية عن خطاب السلطة.
العوامل الخارجية وتوقيت التحركات
أما العوامل الخارجية، فيلخّصها في توقيت التحركات، حيث جاءت بعد تهديدات إسرائيلية وتحركات أميركية لخلق بيئة ضغط قصوى على النظام، إضافة إلى حرب إعلامية ودعم خارجي للمعارضة، مع استثمار واضح من أطراف إقليمية وغربية لتكبير تأثير الشارع.
ويرى أن التهديدات الخارجية لعبت دورًا في تشجيع بعض الجهات والفئات على التحرك، انطلاقًا من فرضية أن النظام في أضعف حالاته. وهنا يسجّل حلال توظيفًا دوليًا وإقليميًا للاحتجاجات، من خلال دعم إعلامي وتحريضي لإرباك النظام وإضعاف جبهته الداخلية، مع إشاعة مناخ ضاغط يُشعر الإيرانيين بأن نظامهم يقود البلاد نحو مواجهة كبرى في ظل أزمة اقتصادية خانقة.
لكن مع تراجع حدّة الاحتجاجات، يرى أن الرهانات على إسقاط النظام بشكل فوري أصبحت ساقطة، على الأقل في المدى المنظور.
ويعتبر أن السلطة أثبتت امتلاكها أدوات السيطرة الأمنية، إضافة إلى تماسك مؤسسات الدولة (الجيش، الحرس، الباسيج)، وكذلك القدرة على احتواء الأزمة دون تفكك داخلي.
في المجمل، لا يخفي حلال أن ما حصل هو زلزال اجتماعي – سياسي قوي، لكنه لم يكن كافيًا لإسقاط النظام. الرهان الآن ليس على الانهيار، بل على استنزاف تدريجي وتفاوض محتمل إذا توفرت الشروط.
لماذا سقط رهان إسقاط النظام؟
وبعد هذا التراجع في الاحتجاجات الداخلية، تبقى العين على نوايا كل من أميركا وإسرائيل تجاه إيران. ولا يستبعد العميد حلال، في هذا الإطار، احتمال لجوء إسرائيل أو الولايات المتحدة إلى مغامرة عسكرية ضد إيران، وهو أمر وارد لكنه غير مرجّح في المدى القريب، وذلك للأسباب التالية:
عدم نجاعة أدوات الضغط لا تعني تلقائيًا خيار الحرب، فرغم فشل العقوبات والاحتجاجات في إسقاط النظام أو تعديل سلوكه، يبقى خيار الحرب محفوفًا بالمخاطر الكبيرة، خاصة في ظل قوة الرد الإيراني (صواريخ، مسيّرات، أذرع إقليمية)، والردع المتبادل في الخليج والعراق ولبنان وربما داخل إسرائيل نفسها، إضافة إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
كما يشير إلى أن الوضع الدولي لا يسمح بحرب شاملة، فأميركا منشغلة بأولويات داخلية (الانتخابات، الاقتصاد، وحرب واشنطن في أميركا اللاتينية بعد أزمة فنزويلا). ولا يغفل أن إسرائيل اليوم منهكة في غزة وعلى الجبهة الشمالية، وفتح جبهة جديدة قد يفجّر الوضع بالكامل. وبرأيه، تفضّل إسرائيل "الضربات الذكية"، من اغتيالات نوعية أو ضرب مواقع دقيقة داخل إيران أو حرب سيبرانية، لكنها تتجنب التورط في حرب شاملة من دون غطاء أميركي كامل.
وبحسب العميد حلال، فإن أميركا تفضّل الاستنزاف لا الانفجار، والاستراتيجية الحالية تقوم على خنق إيران وتطويقها إقليميًا، وليس دفعها إلى معركة حاسمة.
الحرب الكبرى مستبعدة
ووفق المعطيات الحالية، لا يرجّح حلال حربًا كبرى، بل استمرار الضغط المركّب والضربات المحدودة والتحريض الداخلي، إلا أنه يلمّح إلى احتمال حصول تطور دراماتيكي، كمقتل مسؤول كبير أو استهداف مباشر للقواعد الأميركية، وعندها يمكن أن تُفتح جميع السيناريوهات.
الإنعكاس على لبنان
أما حول تأثير الوضع الإيراني في الحالتين الافتراضيتين اليوم، فإنه حتمًا سيكون في قلب التداعيات على الشكل التالي:
أولًا، في حال استمرار أدوات الضغط الظرفية (احتجاجات، عقوبات، دعم إعلامي واستخباراتي للمحتجين)، سيستمر الضغط على حزب الله كامتداد للنظام الإيراني، وسيزداد التصعيد الدبلوماسي والإعلامي ضد سلاح الحزب بذريعة "مساعدة إيران على قمع الداخل اللبناني". كما ستتواصل محاولات اختراق الساحة الشيعية اللبنانية عبر تأجيج الفوارق المعيشية والاجتماعية، إلى جانب تحريك ملف حصرية السلاح والضغط على الدولة والجيش اللبناني لتنفيذ خطة انتشار أوسع جنوبًا. ورغم هذا السيناريو، يستبعد حلال الانفجار العسكري، مرجّحًا تصعيدًا سياسيًا ودوليًا يهدف إلى تحجيم الحزب.
أما في حال اندلاع حرب إسرائيلية مباشرة على إيران، فإن احتمال دخول حزب الله المباشر في المواجهة يبقى واردًا، خاصة إذا تعرّضت إيران لضربات قاسية أو مفصلية. ويرجّح عندها فتح جبهة الجنوب بشكل كامل، والعودة إلى سيناريو عام 2006 أو أبعد، وبالتالي انهيار التهدئة الدولية في لبنان، وتجميد أي دور للجيش اللبناني في الجنوب، مع احتمال ضرب البنية التحتية اللبنانية على نطاق واسع، كما حصل في غزة.
ويتوقف حلال عند حدود القوة الإسرائيلية داخل الجغرافيا اللبنانية، ففي الجانب العسكري تملك إسرائيل قدرة تدميرية عالية جوًا وصاروخيًا، إلا أن قدرتها البرية تبقى محدودة داخل العمق اللبناني بسبب تضاريس الجنوب، واستعداد حزب الله للقتال غير التقليدي، وأي توغل واسع سيواجه نزيفًا عسكريًا.
ومن الناحية الاستراتيجية، لا تستطيع إسرائيل احتلال مناطق لبنانية لفترات طويلة، ولا فرض نزع سلاح حزب الله عسكريًا إلا بثمن باهظ.
أما دوليًا، فإن أي اجتياح واسع سيؤدي إلى ضغط دولي على تل أبيب لوقف القتال خلال أيام، كما حصل عامي 2000 و2006.
ويعتبر العميد حلال أن لبنان ميدان اشتباك جاهز في حالتي الضغط والحرب، لكن حدود القوة الإسرائيلية داخل لبنان تبقى محكومة بقدرة الرد لدى حزب الله، وطبيعة الجغرافيا، وضغط الرأي العام العالمي، ومن هنا يبقى لبنان في قلب العاصفة وليس على الهامش.