حلّ لبنان في المرتبة الأولى عربيًا في تصنيف متوسط معدل الذكاء لعام 2026، الصادر عن منصة International IQ Test، مسجّلًا معدل 99.13، ومتقدّمًا على سائر الدول العربية في هذا المؤشر.
ويعكس هذا التصنيف مستوى الأداء المعرفي المُسجَّل ضمن الاختبارات المعتمدة من الجهة المُصدِرة، واضعًا لبنان في صدارة الترتيب العربي على مستوى الذكاء العام، في إنجاز يُسجَّل للعنصر البشري اللبناني رغم الظروف السياسية والاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.
إلّا أن هذا التفوّق المعرفي يفتح، في المقابل، باب تساؤل مشروع: لماذا لا ينعكس هذا المستوى المرتفع من الذكاء على إدارة الأزمات المتتالية التي يعيشها لبنان؟ فبلد يتصدّر المؤشرات المعرفية عربيًا لا يزال عاجزًا عن إنتاج حلول مستدامة لأزمات مالية واقتصادية ومؤسساتية متراكمة.
في هذا السياق، أوضحت الأستاذة الجامعية في إدارة الأزمات الدكتورة زينة زغيب في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن المشكلة لا تكمن في غياب الذكاء أو الكفاءة، بل في غياب الإطار المؤسسي الذي يسمح بتوظيف هذا الرأس المال البشري.
واعتبرت أن النظام السياسي والإداري في لبنان قائم على المحاصصة الطائفية والزبائنية، لا على الجدارة والكفاءة، ما يؤدي إلى إقصاء الخبراء غير المنتمين إلى شبكات النفوذ، وإفراغ المؤسسات من دورها التخطيطي والتنفيذي، وتحويل القرار العام إلى نتيجة توازنات سياسية بدل أن يكون نتاج معرفة علمية.
وأضافت أن تضارب المصالح، وغياب المحاسبة، وضعف استقلالية المؤسسات، كلها عوامل تعرقل تنفيذ أي رؤية إصلاحية، حتى في حال توافر الخطط والدراسات.
وعن هدر الطاقات البشرية، رأت زغيب أن نجاح اللبناني في الخارج مقابل تعثّره في الداخل ليس مفارقة، بل نتيجة طبيعية لاختلاف البيئات. فاللبناني ينجح في الخارج لأنه يعمل ضمن أنظمة تحترم الكفاءة وتكافئ الأداء، ومؤسسات واضحة الصلاحيات، وبيئة قانونية مستقرة تضمن تكافؤ الفرص. في المقابل، تُستنزف الطاقات في الداخل في صراعات سياسية وإدارية عقيمة، ويُحبط أصحاب الاختصاص بفعل غياب الأفق المهني، وتُقفل أمامهم أبواب التأثير الحقيقي.
وأشارت إلى أن الهجرة لم تعد خيارًا فرديًا بقدر ما أصبحت نتيجة بنيوية لفشل الدولة في احتضان كفاءاتها، معتبرة أن لبنان لا يخسر العقول لأنها ضعيفة، بل لأنها غير مرغوب فيها ضمن منظومة لا ترى في العقل قيمة بحد ذاته.
وفي ما يتعلّق بالعلاقة بين الذكاء الفردي والأداء العام، أكدت زغيب أن لبنان يعاني من ذكاء فردي مرتفع مقابل ذكاء مؤسساتي منخفض، مشددة على أن الذكاء الفردي، مهما بلغ، لا يمكن أن يتحوّل إلى إنجاز وطني من دون مؤسسات فاعلة، وسياسات عامة قائمة على البيانات، وإدارة حديثة تفصل بين السياسة والإدارة.
وشدّدت على أن هذا العجز المؤسسي يحوّل الذكاء إلى طاقة مهدورة، بل إلى عبء نفسي على الفرد الواعي الذي يرى حجم الانهيار من دون امتلاكه أدوات التغيير.
أما عن سبل استثمار الكفاءات داخل لبنان، فحدّدتها زغيب بعدد من الخطوات الأساسية، أبرزها إصلاح النظام الإداري عبر اعتماد الجدارة والشفافية في التعيينات، وإشراك الخبراء المستقلين في صناعة القرار بشكل فعلي لا شكلي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية لضمان المحاسبة، إضافة إلى خلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا تشجّع الكفاءات على البقاء والمبادرة، وبناء رابط حقيقي مع الاغتراب اللبناني للاستفادة من خبراته بدل الاكتفاء بالتحويلات المالية.
بين تصدّر المؤشرات الدولية واستمرار الأزمات الداخلية، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل يستطيع لبنان تحويل ذكائه إلى حلول فعلية، أم سيبقى هذا التفوّق المعرفي إنجازًا نظريًا لا يجد طريقه إلى الواقع؟