قادَت المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عُمان حملة دبلوماسية عاجلة، نجحت في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتراجع عن خطط كانت مطروحة لتنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، بحسب ما أكّد مسؤولون كبار، الخميس، في وقت كانت التوترات الناجمة عن القمع العنيف للاحتجاجات داخل إيران تهدد بالتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وبحسب ما نقلته وكالة “فرانس برس” عن مسؤول سعودي رفيع المستوى، فإن الدول الخليجية الثلاث شنّت ما وصفه بـ“جهد دبلوماسي طويل ومحموم وفي اللحظات الأخيرة”، لإبعاد ترامب عن خيار التصعيد العسكري، محذّرة من أن أي هجوم على إيران قد يقود إلى نتائج كارثية على مستوى الشرق الأوسط.
وجاء هذا التدخل في وقت كانت الولايات المتحدة تعيد تموضع قواتها وتُصدر تحذيرات أمنية في منشآت عدة في الخليج، بالتزامن مع تعهّد إيران بالرد على أي استهداف أميركي.
ونقل التقرير عن المسؤول السعودي قوله: “أبلغنا واشنطن أن أي هجوم على إيران سيفتح الباب أمام سلسلة ارتدادات خطيرة للغاية في المنطقة”، مضيفًا: “كانت ليلة بلا نوم لنزع فتيل المزيد من القنابل في الشرق الأوسط”، وفقًا لما نقلته وكالة “فرانس برس” شريطة عدم الكشف عن هويته.
وبحسب مصادر رسمية، غيّر ترامب موقفه الأربعاء بعد تلقيه ضمانات من جهات وصفها بأنها “مصادر مهمة جدًا من الطرف الآخر”، تفيد بأن إيران ستوقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق متظاهرين تم اعتقالهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، والتي تقول منظمات حقوقية إنها أوقعت أكثر من 3,400 قتيل.
وكانت الأزمة قد تصاعدت خلال الأيام الماضية بعدما كرّر ترامب تهديداته بالتحرك عسكريًا في حال مضت طهران في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين.
وتزامنت الوساطة الخليجية مع إجراءات أميركية ميدانية، إذ نقل التقرير أن الولايات المتحدة قامت بإجلاء بعض العاملين من قاعدة عسكرية كبرى في قطر، وأصدرت تحذيرات لموظفي سفاراتها في السعودية والكويت بضرورة توخي الحذر ورفع مستوى الانتباه.
وأشار التقرير إلى أن تعدد القواعد الأميركية والأصول العسكرية المنتشرة في الخليج جعل المنطقة شديدة الحساسية أمام أي رد إيراني محتمل، ما أثار مخاوف لدى دول الجوار من توسع دائرة المواجهة.
وفي خطوة لافتة، قالت مصادر مطّلعة إن السعودية أبلغت طهران الأربعاء أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لتنفيذ أي هجمات ضد إيران، وفق مصدرين قريبين من الحكومة السعودية، في رسالة تعكس رغبة دول الخليج في تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة رغم تحالفها التقليدي مع واشنطن.
وفي المقابل، قال مسؤول خليجي آخر إن الدول الإقليمية وجّهت تحذيرًا مماثلًا إلى إيران، مفاده أن أي ضربات تستهدف منشآت أميركية في الخليج ستؤثر سلبًا على علاقات طهران بدول المنطقة.
وفي هذا الإطار، ناقش وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأزمة مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، الخميس، حيث شدّد عراقجي على ضرورة إدانة ما وصفه بـ“التدخل الخارجي”، مؤكدًا في الوقت نفسه أن إيران ستدافع عن نفسها في حال واجهت تهديدات من الخارج.
وبحسب التقرير، انفجرت الأزمة الدبلوماسية على وقع تصعيد السلطات الإيرانية حملتها على احتجاجات شعبية اندلعت الأسبوع الماضي، وتحوّلت إلى واحدة من أكبر موجات التظاهر منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وأفادت منظمة “إيران لحقوق الإنسان”، ومقرها النرويج، الأربعاء، بأن قوات الأمن قتلت ما لا يقل عن 3,428 متظاهرًا، محذّرة من أن العدد النهائي قد يكون أعلى بكثير.
في المقابل، تتهم السلطات الإيرانية المحتجين بأنهم “مثيرو شغب” تدعمهم إسرائيل والولايات المتحدة، وتتوعدهم بـ“عدالة سريعة”، وسط خشية حقوقية من إمكانية تنفيذ إعدامات جماعية.
وسلط ترامب الضوء على قضية متظاهر يدعى إيرفان سلطاني (26 عامًا)، كان معتقلًا في مدينة كرج قرب طهران، وأفادت مجموعات حقوقية أنه كان على وشك الإعدام الأربعاء.
غير أن السلطة القضائية الإيرانية أعلنت الخميس أن سلطاني لم يُحكم عليه بالإعدام، وأنه يواجه تهمًا تتعلق بـ“الدعاية ضد النظام الإسلامي” و“العمل ضد الأمن القومي”، وهي تهم قد تؤدي إلى أحكام سجن وليس إلى الإعدام وفقًا للقانون الإيراني.
بدوره، قال عراقجي في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” إنه “لن يكون هناك شنق اليوم أو غدًا”، ما دفع ترامب إلى كتابة منشور على منصة “تروث سوشال” اعتبر فيه ذلك “أخبارًا جيدة”، معربًا عن أمله بأن يستمر هذا المسار.
وأشار التقرير إلى أن وتيرة الاحتجاجات تراجعت في الأيام الأخيرة، بعد انقطاع الإنترنت لما يقارب أسبوع وتصعيد الحملة الأمنية.
وذكر “معهد دراسة الحرب” الأميركي، الذي يتابع تطورات الاحتجاجات رغم انقطاع الاتصالات، أنه لم يسجّل أي احتجاجات يوم الأربعاء، لكنه أكد أن السلطات تواصل اتخاذ إجراءات قمعية مكلفة للنظام.
ونقلت وكالة “فرانس برس” أن مقاطع فيديو موثّقة من ذروة الاحتجاجات أظهرت جثثًا داخل أكياس سوداء مصطفّة في مشرحة كهرزك جنوب طهران، فيما بدا أقارب القتلى يبحثون عن ذويهم وسط حالة صدمة.
كما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني الخميس مقتل أحد موظفيها وإصابة خمسة آخرين أثناء أدائهم مهامهم في شمال غرب إيران، دون تحديد ملابسات الحادثة.
بدوره، قال عراقجي إن الحكومة تسيطر على الوضع بالكامل، واصفًا الأجواء بأنها عادت إلى حالة “الهدوء” بعد ما اعتبره “ثلاثة أيام من عمليات إرهابية”.
وفي ختام التطورات، أشار التقرير إلى أن اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي بشأن إيران، بناءً على طلب الولايات المتحدة، كان مقررًا مساء الخميس.