نشر موقع "معاريف" الإسرائيلي تقريراً تحليلياً تناول مستقبل النظام الإيراني في ظل تصاعد الاحتجاجات وتفاقم الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن الانهيار المالي وحده لا يعني بالضرورة سقوط النظام سياسياً، وأن العامل الحاسم في هذا المسار يرتبط بولاء الأجهزة الأمنية.
وبحسب التقرير، قدّم الباحث والمحلل في الاستخبارات الاستراتيجية شانكا أنسلم بيريرا قراءة اقتصادية-سياسية للوضع الإيراني، معتبراً أن الفرضية الشائعة القائلة إن "الانهيار الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى انهيار النظام" هي فرضية خاطئة من الأساس.
وأوضح بيريرا أن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت إيران تتجه نحو أزمة مصرفية أو انفجار اجتماعي، لأن هذه المؤشرات موجودة بالفعل، بل إن السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل النظام حتى نيسان 2026 يتمحور حول مدى قدرة النظام على الحفاظ على ولاء وحدات "الحرس الثوري" وقوات الأمن، خصوصاً في ما يتعلق بالاستجابة للأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين.
وأشار التقرير إلى أن بيريرا يرى أن الأزمة الاقتصادية في إيران وصلت إلى نقطة متقدمة، موضحاً أن النظام المصرفي الإيراني "متوقف فعلياً" عن العمل بشكل طبيعي، وأن الاحتجاجات مرشحة للتوسع لتشمل مختلف المحافظات، فضلاً عن وجود مؤشرات تتعلق بصحة المرشد الأعلى علي خامنئي، مع استمرار الجدل حول مسألة خلافته داخل الدوائر الحاكمة.
لكن بيريرا يعتبر أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإسقاط النظام، موضحاً أن تجارب دول مثل كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا أظهرت أن الأنظمة السلطوية قد تمر بانهيارات اقتصادية خانقة دون أن تسقط سياسياً، لأن أدوات القمع تبقى متماسكة.
ولفت التقرير إلى أن بيريرا يدعم طرحه بأمثلة تاريخية، قائلاً إن الأنظمة الحديثة لا تسقط لحظة الانهيار المالي، بل عندما يتفكك الجهاز الأمني أو يرفض تنفيذ الأوامر. واستشهد بحالات عدة، أبرزها سقوط نظام نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا عام 1989 بعد رفض الجيش مواصلة إطلاق النار على المتظاهرين، وهروب زين العابدين بن علي من تونس عام 2011 بعد إعلان الجيش عدم استهداف المحتجين، إضافة إلى خروج حسني مبارك من السلطة في مصر بعد إشارات من المؤسسة العسكرية بانحيازها للشعب، وسقوط سلوبودان ميلوشيفيتش في صربيا عام 2000 عقب رفض الشرطة مهاجمة المتظاهرين.
وأشار بيريرا إلى أن الأنظمة السلطوية قد تتعرض لضغط متزامن في عدة مجالات، لكنه اعتبر أن سقوطها لا يحدث إلا عندما تصل مجموعة من هذه المجالات إلى مستوى الانهيار في الوقت نفسه، مشيراً إلى ما وصفه بـ"أربعة محاور" تشكل أساس استقرار النظام الإيراني: الرواتب والمال، الدعم الخارجي، تماسك النخبة الحاكمة، وولاء الأجهزة الأمنية.
وبحسب التحليل، فإن إيران تواجه اليوم ضغوطاً واضحة في المحاور الأربعة، إلا أن محوراً واحداً فقط يقترب من نقطة الانفجار الحقيقية، وهو محور ولاء القوات الأمنية الذي قد يتغير تدريجياً إذا بدأت الأزمة المعيشية تطال أفراد هذه المؤسسات بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، أشار بيريرا إلى أن الولاء قد يصمد أمام تأخير الرواتب لفترة قصيرة، لكنه يبدأ بالانهيار عندما يصبح عنصر الأمن غير قادر على تأمين الطعام لعائلته أو تغطية الحد الأدنى من المعيشة، معتبراً أن الفارق النفسي في هذه النقطة هو ما يحدد لحظة التحول.
ونقل التقرير عن بيريرا تقديره بأن مرور أكثر من 60 يوماً على اضطراب الرواتب قد يجعل حتى الضباط الكبار عاجزين عن تغطية تكاليف الحياة الأساسية في طهران، ما يدفع قطاعات واسعة من المؤسسة الأمنية إلى إعادة النظر في ولائها، وهو ما اعتبره المؤشر الأخطر الذي قد يدفع النظام إلى مرحلة التفكك الفعلي.
وختم التقرير بالتأكيد أن بقاء النظام الإيراني أو سقوطه خلال الأشهر المقبلة لن يرتبط فقط بحجم الاحتجاجات أو عمق الأزمة المالية، بل بمدى قدرة القيادة على ضمان تنفيذ الأوامر الأمنية عند لحظة المواجهة، أي عندما يصبح قرار إطلاق النار على المتظاهرين اختباراً فاصلاً لتماسك السلطة.