وفي التفاصيل، عَلِمَ "ليبانون ديبايت" أنّ ناشطًا وصحافيًا سوريًا نشر عبر صفحته الإلكترونية مقاطع فيديو قال إنّها وصلته من أمٍّ تناشد المساعدة، موضحةً أنّ نجلها يتعرّض للضرب والتعذيب بشكل ممنهج على يد والده، الذي كان—وفق روايتها—يمارس ابتزازًا نفسيًا بحقها من خلال إرسال هذه المقاطع مرفقة بتهديدات متكرّرة.
وعقب تداول هذه المنشورات، جرى التواصل الفوري مع القوى الأمنية اللبنانية، حيث جرى التعامل مع المحتوى على أنّه بلاغ جدي عن جريمة محتملة، لا سيّما أنّ المقاطع تضمّنت مؤشرات واضحة وخطيرة على تعنيف طفل. وبالتنسيق مع صاحب الصفحة، تمكّنت الجهات المعنية من الحصول على أرقام هاتف الأم وخال الطفل، إضافة إلى الرقم الذي أُرسلت منه المقاطع التهديدية.
وبحسب المعلومات، فإنّ والد الطفل، ويدعى أمين النائب، وهو من أبناء محافظة حماة السورية، كان قد طلق زوجته وبدأ بتعذيب طفله بشكل متكرر، موثقًا أفعاله بمقاطع مصوّرة كان يرسلها إلى الأم. وتشير المعلومات إلى أنّ آخر هذه المقاطع تضمّن اعتداءً بالغ الخطورة، تمثّل بقيامه بحرق قدمَي الطفل. وقد بات الملف بعهدة القضاء المختص لمتابعة التحقيقات واتخاذ الإجراءات اللازمة.
كما أفادت المعلومات بأنّ الأب فرّ مؤخرًا إلى لبنان ويقيم في إحدى المناطق الشمالية، فيما لا يزال مصير الطفل مجهولًا حتى الساعة، إذ تواصل القوى الأمنية، من خلال التحقيقات الجارية، العمل على تحديد مكان وجوده.
العنف الأسري… جريمة بلا أي تبرير
وفي هذا السياق، أوضحت خبيرة الحماية الأسرية والناشطة الاجتماعية رنا غنوي، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أنّ العنف الشديد الذي يُمارَس بحق الأطفال لا يأتي من فراغ، بل غالبًا ما يكون نتيجة تراكم عوامل عدّة، أبرزها الضغوط النفسية الحادّة، كالفقر والمشاكل الزوجية والغضب المكبوت، إضافة إلى نشأة عنيفة تكرّس ثقافة الضرب كوسيلة “تربية”، وجهل تربوي، فضلًا عن اضطرابات نفسية أو حالات إدمان قد تفقد الأهل القدرة على السيطرة.
إلّا أنّ غنوي شددت على ضرورة الوضوح التام، مؤكدةً أنّه “لا يوجد أي سبب، مهما كان، يبرّر إيذاء طفل”، مضيفةً أنّ الطفل “له حق مطلق في الأمان، لا في العقاب”.
وأشارت إلى أنّ بعض المعنِّفين يفرّقون ذهنيًا بين الضرب وغيره من أشكال الاعتداءات الأخطر، معتبرين الضرب “تأديبًا”، في حين أنّ الحقيقة الثابتة هي أنّ الضرب المبرّح، التهديد، الإذلال، التحرّش، والاغتصاب، جميعها أشكال عنف مدمّرة تخلّف آثارًا نفسية عميقة في وجدان الطفل، حتى وإن اختلفت أشكالها.
واجب التبليغ… والمسؤولية مشتركة
وحول كيفية التصرّف عند الاشتباه بتعرّض طفل للعنف، أكدت غنوي أنّ أي شخص في موقع مسؤولية، كالعاملين في المدارس أو الحضانات أو النوادي، مطالب بملاحظة التغيّرات السلوكية المقلقة، مثل الخوف المفرط، العزلة، أو ظهور علامات جسدية غير مفسّرة، محذّرةً في الوقت نفسه من التحقيق المباشر مع الطفل أو الضغط عليه للإدلاء بما يتعرّض له.
وشددت على أنّ التبليغ يصبح واجبًا عند وجود خطر جدّي، داعيةً إلى التواصل فورًا مع القوى الأمنية عبر الأرقام المخصّصة أو مع الجهات المختصة بحماية الطفل، موضحةً أنّ القانون اللبناني الرقم 422 يوفّر الحماية للمبلّغين ويكفل سرية هويتهم.
تبقى هذه القضية مفتوحة على تطورات خطيرة، فيما تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الجارية، على أمل الوصول سريعًا إلى الطفل وإنقاذه، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة التي هزّت الضمير الإنساني. ويؤكد "ليبانون ديبايت" أنّه لن ينشر أي من الفيديوهات أو الصور المتعلقة بالاعتداء على الطفل، حرصًا على سلامته وحقوقه القانونية، وحمايةً لكرامته، مع متابعة تطورات التحقيقات مع الجهات المعنية لضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة.