صوت “المسيرات” يكاد لا يبارح سماءنا وآذاننا. ولا تضاهيه إلا كمّ التوصيفات المستخدمة في “تقطيع” المرحلة: “حصر”، “سحب”، “تسوية”، “إحتواء”… فهل إحتواء حزب الله وسلاحه ممكن؟ هناك من أجاب من نوابنا الكرام: “كلمة إحتواء هي من الكلمات التي يُفسرها حزب الله على ذوقه”. فهل محاولات الإحتواء التي نسمعها هي نفسها مفاعيل الإحتواء التي يقبل بها حزب الله؟ وهل ما يقبل به “الحزب” يقبل به كل الآخرين؟ وهل لحزبِ مداه أبعد من حدودنا، بكلامٍ أبسط، قابلية ونية للإحتواء؟
"ليبانون ديبايت" - نوال نصر
وكأننا في “القمقم” المسمى لبنان. ندور في مكاننا بحثاً عن مخرج من “الأعظم” الذي قد لا يبقى بعده حجر على حجر. وفي عزّ المحنة ما زال هناك من يبحث عن سبل أقل ما يُراد بها تقطيع الوقت. ثمة كلمة سرّ سرت منذ فترة في البيئة المحسوبة على الحزب هدفها إقناع أهلها أن المحنة مؤقتة لا دائمة “فليس من دائم إلا الله”. وحراك “الحزب” باسم الله. فهل يمكن “إحتواء” من يراهن على الوقت ولا يؤمن إلا بالجمهورية الإسلامية الفقهية ويظن أنه الناطق بلسان الله؟
فايز قزي، الكاتب والسياسي اللبناني، يبدو مستاءً من كل شيء، ومن أي كلامٍ لا يستخدم لغة الحسم والجزم، مميزاً كما دائماً بين “الحزب” والشيعة: “فالحزب ليس الشيعة الإثني عشرية بل الصفوية الفارسية. فلنميز. كما أن “الحزب” قال في وثيقته الأساسية: نحن لسنا حزباً ولا أمة مستقلة بل جزء من أمة الإسلام الذي في العالم. إننتا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران. وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه”.
سمعنا جميعاً بهذا الكلام. نعرف أن حجم “الحزب” أكبر من لبنان، إنه بحجم نظام سوري سقط ونظام إيراني مهترئ، ويمنٍ هش، وعراق مشظى، وفنزويلا تغيرت… فهل من السهل “إحتواء” هكذا جسم غريب؟
البارحة، سمعنا من قلب “الحزب” من يتحدث عن “حزب الله جديد”، لديه، في ظلّ التحولات الكبيرة وسقوط المحاور، قابلية الإلتحاق بالتسويات. هو حزب شعر جناح رئيسي فيه بوقع الصفعات التي تلقاها ويدرك أن أي صفعة جديدة معناها النهاية. لكن، حين يبيت للحزب أجنحة لا يعود للحراك “المتجدد” رؤية. فكيف لمن آمن منذ نشأة حزب الله “أنه أتى ليصلح في هذه الأرض، كل الأرض، ليقيم فيها حاكمية العدل الإلهي التي تتواصل وتتكامل بظهور صاحب العمر والزمان” أن يسمع بحزب الله جديد، ينسف كل العقيدة التي تأسس عليها، ولديه قابلية للإحتواء في دولة ووطن وحدود؟
اليوم، في إيران، شبه يقين أن المنطقة العربية- كلها- ستتدخل للحفاظ عليها، خشية من “الغول الإسرائيلي” الذي لا يضرب في تكريس جبروته فرامل. فإيران- بعيون تركيا ودول الخليج ومصر- لم تعد كما كانت مهما حاول البعض تلطيف آثار كل ما مرت- وتمر- به منذ عامين. فلتترك أقله حالياً. بكلام آخر فليعمل المجتمع الدولي على احتوائها حالياً على أن يكون التغيير المقبل سلساً. هنا، ثمة كلمة احتواء أيضاً. فهل إحتواء إيران- إذا حصل- يُسهل إحتواء “حزب الله”؟
فلنعد الى فايز قزي. هو قال لنا بالحرف: “كل العبارات ما عادت مقنعة، كما أنا لست الآن لا مع المركزية ولا مع الفيدرالية ولا الكونفدرالية. حالياً، أعدّ كتاباً أقول فيه نحن ما عاد إسمنا الوطن اللبناني بل المحافظات اللبنانية المتحدة. كل محافظة غير قادرة أن تتعايش مع سواها. أقول ذلك وأنا شخص عروبي، آمنت بالعروبة ذات يوم، لكنني تعبت”. تعب الأستاذ وما عاد مقتنعاً بأي مرادفات تستخدم في الأزمات والتحولات ويقول: “كلمة إحتواء تجارية. من يقولها من السياسيين معناه أنه يتعاطى في السياسة كما من يملك دكاناً. واحدة من مصائبنا في لبنان أنهم ينبشون عبارات بلا طعم”.
نعم، نمرّ- كما عودونا- في مرحلة إلهاء وتقطيع وقت. “حصر السلاح واحتواء الحزب وتسويات المرحلة”. كلمات “بلا طعمة” بدليل ما رأيناه في أكثر من مفرق وتقاطع في الآونة الأخيرة. فمن قرر سحب الرئيس الفنزويلي من سريره قادر على الكثير. وكلّ من تنتهي ورقته- بأمرٍ أميركي- ينتهي. إنها قناعة الجميع. لكن، هناك من لا يزال يصرّ على التحليل و”الفلسفة”- كي لا نقول “التفلسف”. فهناك، من يحلو له- ممن أوعزوا بكلمة السرّ الحزبلاهية- القول أن “الحزب” هو من لا يزال يقرر: هو يريد ضمانات. وهو مستعد للتفاوض “شرط”. وهو مستعد للنقاش حول الإستراتيجية الدفاعية وحصر السلاح لكن بعد حين. وهو على تواصل مباشر مع قنوات إقليمية بينها تركيا ومصر وقطر. وهو- في رؤى أبعد- مستعد حتى بالجلوس على طاولة واحدة مع الرئيس السوري أحمد الشرع… وهو… وهو… لكن، هل صحيح أن الكرة ما زالت لدى “الحزب”؟
سيادي بامتياز، متقدم، ومباشر حدد رؤيته للبلد و”الحزب” والإحتواء: “فلنميّز بين أمرين أو ثلاثة: كلام فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الأخير، في الذكرى الأولى لانتخابه، أتى واضحاً ولا لبس فيه، واستدعى ردوداً من محمد فنيش الى محمود قماطي. وأفرغوا “غيظهم” من فخامة الرئيس على وزير الخارجية يوسف رجي. في كل حال، هم أكثر المدركين أن المسار الذي انتهجوه أكثر من أربعين عاماً إنتهى. لا شيء إسمه في المستقبل بقاء سلاح حزب الله. الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئاستين الأولى والثالثة، متقدمة في هذا الإتجاه حتى أكثر من الأحزاب السيادية. سيمون كرم جلس مع الطرف الإسرائيلي. ونسمع كلاماً مباشراً عن السلام. الدولة اللبنانية باتت تعرف تماماً أن هامش “اللعب”- وتفسير بعض المصطلحات كما يشاء اللاعبون- بات مستحيلاً.
وهي- أي الدولة- إذا كانت لا تزال تحاول البحث عن مصطلحات مثل الإحتواء فمن أجل تمرير المرحلة بلا استفزاز. هي تعرف تماماً أن إسرائيل قد لا تنتظر طويلاً ريثما يرضى الحزب بمنطق الإحتواء لكنها في الآونة نفسها تدرك أن حزب الله ما عاد واحداً وبالتالي إذا شعر بشدّ الخناق حول عنقه قد يتفلت ونُصبح في مصيبة من نوع آخر داخلية. في هذا الإطار، من يوصفون أنفسهم حالياً بالجدد- إنطلاقاً من مقولة تجديد الحزب- ما عادوا قادرين على إقناع البيئة بما يحصل. فلنأخذ مثلاً يوم كشف الجيش اللبناني عن وجود مخزن حزب الله السري، إضطروا في الحزب الى إجراء مراجعات داخلية- تخللتها محاكمة- للبحث في تصرف الجيش الذي يرددون في بيئتهم أنه يُنسق بشكلٍ كامل معهم في هذا الشأن”.
فلنترك من يشاء يتلهى في التوصيفات والصياغات والتعابير والمرادفات كما يشاء إذا كان ذلك يشفي غليله. أما في الواقع، فالمرحلة جد خطيرة. التحولات الكبرى تحدث الآن. وحزب الله يفترض أن يلعبها اليوم بذكاءٍ لا بمكر. لا فرصة أمامه إلا الحدّ من الخسائر. فهل جناح هذا المعطى في الحزب سيحقق إنتصاراً على جناح “فإننا لغالبون”؟