"ليبانون ديبايت"-فادي عيد
لم يعد خافياً بعد التراشق السياسي الحاد الذي يأتي على وقع الشرخ العامودي، أن الداخل اللبناني قد التزم مع المجتمع الدولي، بجدولٍ زمني غير مُعلن داخلي وخارجي لتنفيذ القرار 1701، ولم يكن قرار مجلس الوزراء بإرجاء استكمال مراحل خطة "حصر السلاح" إلى شهر شباط المقبل، إلاّ محاولةً ديبلوماسية لمعالجة هذا الملف الحسّاس، في الوقت الذي يتصاعد فيه منسوب الإعتداءات الإسرائيلية شمال وجنوب نهر الليطاني.
من هذه الزاوية، تقارب أوساط سياسية مواكبة، حدّة الخطاب من قبل مسؤولي "حزب الله"، والردّ القاسي من الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، على فريقٍ داخلي مؤيدٍ للقرار 1701 بكل مندرجاته من الإنسحاب الإسرائيلي من النقاط المحتلة ووقف العمليات العدائية، إلى حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية.
ولم تجد الأوساط، في هجوم الحزب على وزير الخارجية يوسف رجّي، إلاّ رسالةً، تتجاوز بكثير مضمون مواقفه المعلنة، ولا يمكن فهمها من زاوية ما قاله فحسب، بل من زاوية أعمق تتعلّق بطبيعة الصراع القائم اليوم حول موقع الدولة اللبنانية ودورها، ولا سيّما في ما يتصل بالسياسة الخارجية وملف السلاح.
في الواقع، تجد الأوساط السياسية، أن كلام وزير الخارجية، لا في الجوهر ولا في السقف، يخالف عمّا عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزف عون نفسه في أكثر من مناسبة، ورئيس الحكومة نوّاف سلام في أكثر من مناسبة. فقد شدّد رئيس الجمهورية بوضوح على أن "حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلباً خارجياً، بل بنداً أساسياً من اتفاق الطائف وأحد شروط قيام الدولة"، وأن "قرار السلم والحرب هو من صلاحيات مجلس الوزراء، وأن الجيش اللبناني وحده المخوّل تنفيذ هذا القرار"، وأن "الظروف التي نشأ فيها السلاح خارج الدولة قد انتفت، وأن بقاءه بات عبئاً على لبنان وعلى بيئته الحاضنة".
وبينما تفادى الحزب أي تعليق على مواقف رئيس الجمهورية، أتى هجومه على رجّي، كما تقول الأوساط ل"ليبانون ديبايت"، "بسبب إدراكه لحساسية موقع وزارة الخارجية، ذلك أن التجربة خلال العقود الماضية أظهرت أن السياسة الخارجية لم تكن شأناً تقنياً أو ديبلوماسياً بالنسبة لهذا الفريق، بل إحدى الركائز الأساسية لمشروعه، حيث شكّلت وزارة الخارجية والبعثات الديبلوماسية، في مراحل سابقة، مجرّد أدوات لتوفير غطاء سياسي ودولي لسلاح خارج الدولة، ولتسويق معادلات الأمر الواقع بإسم لبنان".
صحيح أن التضارب في المواقف بين فريقين أساسيين من عنوان "حصر السلاح"، يعكس صراعاً بين مشروعين، الأول يعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية فقط، بل يشمل تفكيك البنية العسكرية للحزب، ومن هنا، فكلام رجّي أن "استمرار السلاح خارج الدولة يوفّر الذريعة لاستمرار الضربات الإسرائيلية"، هو مجرّد توصيف لواقعٍ قائمٍ منذ أكثر من عام، فيما الثاني، يرى أن "المطالبة بنزع سلاح الحزب تخدم المشروع الإسرائيلي".
وبفعل هذه المشهدية، ترى الأوساط السياسية، أن المواجهة بين الفريقين، لم تعد محصورة بسلاحٍ أو باتفاق، بل تجاوزت اتفاق وقف النار والقرار 1701 إلى انقسامٍ وخلافٍ حول مفهوم الدولة وقرار الحرب والسلم، وصولاً إلى الأولويات والمشروع السياسي والإرتباط بأي محورٍ إقليمي وتحويل لبنان إلى ساحةٍ لتبادل الرسائل في المنطقة.
وعند هذا الحدّ، لا تستبعد الأوساط، وصول الفريقين إلى انهيار اتفاق تشرين، الذي بات محسوماً أن الإلتزام به أتى من جانب لبنان فقط، فيما إسرائيل مستمرة في توسيع اعتداءاتها، ما يشي بأن الساحة الداخلية مُقبلة على جولة جديدة من التصعيد السياسي، الذي قد يقفل الطريق أمام أي مسار تفاوضي عبر لجنة "الميكانيزم".