“ليبانون ديبايت”
يبدو أن لبنان على موعد مع فضيحة جديدة في ملف الفيول، مرشّحة لأن تتحوّل إلى واحدة من أبرز القضايا التي ستشغل الرأي العام خلال الأيام المقبلة، في ظل معطيات متسارعة بدأت تتكشف تباعًا، وما تحمله من مؤشرات خطيرة تتجاوز الشقّ التقني إلى شبهات غش وتزوير وتلاعب بالرقابة والمختبرات.
وفي تطور يُعيد إلى الواجهة شبح “فضائح الفيول المغشوش” التي تغرق بها وزارة الطاقة، تكشف معطيات التحقيق حول ناقلة CAN KA التي وردت فيول أويل لصالح كهرباء لبنان عن مؤشرات خطيرة على غشّ ممنهج في النوعية وتلاعب في نتائج المختبرات، في ملف يضع خليل خوري وشركة IPLOM International SA وشبكة من شركات الرقابة “العالمية” في صلب دائرة الاشتباه.
وبحسب المعلومات المتوافرة، تبيّن أن الناقلة CAN KA حمّلت الفيول أويل من مرفأ Opet Marmara عبر شركة Alkagesta، وهي الجهة التي أوقف صاحبها مؤخرًا على خلفية تزوير المنشأ الروسي وخلط المواد النفطية وإصدار شهادات منشأ من أذربيجان بما يخالف الحقيقة، ما يرفع مستوى الشبهات حول طبيعة الشحنة ومسارها والمستندات المرتبطة بها.
وفيما حاولت تقارير الفحوصات الرسمية تقديم الشحنة على أنها “مطابقة للمواصفات”، برزت معطيات مثيرة للريبة تتعلق بنسبة الكبريت، وهي أحد أبرز العناصر التي تحدد جودة الفيول ومدى مطابقته لدفتر الشروط.
فقد عيّنت وزارة الطاقة شركة الرقابة العالمية Intertek، وقد دوّنت نتيجة الكبريت 1، في حين أن الحد الأقصى المقبول وفق دفتر الشروط هو 0.999، ما يعني عمليًا أن النتيجة تتجاوز السقف المسموح به.
أما النتيجة الأكثر إثارة للشكوك فكانت لدى Bureau Veritas – دبي، المعتمدة منذ فضيحة الفيول المغشوش عام 2020 كمرجع للفحوصات، إذ جرى تدوين نسبة الكبريت 0.999 بشكل بدا “مفصّلًا” على قياس الحدّ الأقصى تمامًا، وهي نتيجة لا تشكّل دليل مطابقة بقدر ما تشكّل قرينة جدّية على الغش والتزوير بدل أن تكون إثباتًا للسلامة.
ورغم هذه المؤشرات، صدر أمس الأحد عن وزارة الطاقة إذن تفريغ حمولة الناقلة CAN KA، وباتت الباخرة تنتظر مباشرة البدء بعملية التفريغ في المرفأ، في خطوة أوحت وكأن الملف قد أُقفل إداريًا على أساس أنّ الشحنة “مطابقة للمواصفات” ولا تستدعي مزيدًا من التدقيق.
غير أنّ التطور الأخطر جاء من مسار موازٍ جرى بعيدًا عن الأضواء، وبإشراف مباشر من النائب العام المالي القاضي ماهر شعيْتو، حيث فُتح تحقيق جانبي سرّي أُرسلت بموجبه العينات المسحوبة من الحمولة، وتحت إشراف الجمارك، إلى أحد المختبرات العالمية المعتمدة، من دون علم وزارة الطاقة أو أي من شركات المراقبة.
النتيجة كانت صادمة وفق ما تبيّن من الفحوصات: نسبة الكبريت غير مطابقة كليًا وبلغت 1.03، ما ينسف عمليًا كل “المطابقات الورقية” التي بُني عليها إذن التفريغ، ويحوّل القضية من إجراء إداري روتيني إلى ملف غش وتزوير مثبت تقنيًا وتحت إشراف القضاء.
ولا تقف خطورة القضية عند حدود الفيول والشروط التقنية، بل تتعداها إلى بعد أكثر حساسية يتعلق بصحة اللبنانيين، في ظل الارتفاع المقلق في معدلات السرطان والأمراض المزمنة، وهو ما يجعل أي تهاون في المواصفات والفحوصات مسألة تمسّ السلامة العامة مباشرة، وتضع الجهات الرسمية أمام مسؤولية لا يمكن القفز فوقها تحت أي عنوان.
وفي سياق متصل، تبيّن أن الشكوك التي كان يثيرها المهندس فوزي مشلب حول ملف الفيول أويل والغاز أويل كانت في محلّها، في ظل مؤشرات متراكمة على أن الفيول المستورد إلى لبنان يخضع لتلاعب ممنهج في نتائج المختبرات، ما يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول منظومة الرقابة برمّتها.
أما قانونيًا، فالمشهد لا يحتمل أي اجتهاد. إذ إن وزارة الطاقة، ووفق قانون الشراء العام ولا سيما المادة 112، ممنوع عليها قانونًا تجاوز دفتر الشروط أو السماح بإدخال مواد غير مطابقة للمواصفات.
وتنص هذه المادة صراحة على معاقبة الموظف أو المشرف على تنفيذ المناقصات بالحبس حتى 3 سنوات، وبغرامة قد تصل إلى 3 أضعاف قيمة الصفقة، أي إلى 3 أضعاف قيمة هذه الناقلة، ما يعني أن أي سماح بتفريغ هذه الحمولة رغم ثبوت عدم مطابقتها لا يشكّل مجرد مخالفة إدارية، بل يرقى إلى جريمة جزائية مكتملة الأركان بحق كل من يشارك أو يغطّي أو يتغاضى عن تجاوز دفتر الشروط والقانون.
وتتجه الأنظار في المرحلة المقبلة إلى مسار التحقيق القضائي وما إذا كان سيُترجم خطوات حاسمة، في وقت يرتفع فيه سقف المطالبات بأن “يضرب القضاء بيد من حديد”، وخصوصًا القاضي ماهر شعيْتو، لمحاسبة كل المرتكبين والمتورطين في لبنان والخارج.
كما يُطالب بأن تبادر الجمارك إلى تسطير المخالفات وفق المادة 59 من قانون الجمارك، باعتبار أن إدخال فيول أويل عبر غش وتزوير في فحوصات النوعية يعني إبراز مستندات غير عائدة للبضاعة، ما يرفع الغرامات إلى عشرات ملايين الدولارات.
وفي المقابل، تبرز دعوات لاعتماد المواصفات الأوروبية المتداولة عالميًا “لا أكثر ولا أقل”، وهي توصية سبق أن قدّمها خبير من الاتحاد الأوروبي عام 2021 لإدارة المناقصات، إضافة إلى المطالبة بإقصاء شركة IPLOM International SA ووقف التعامل معها، فضلًا عن وقف التعامل مع شركات الرقابة الثلاث المذكورة في هذا الملف: Bureau Veritas – دبي، Intertek – تركيا، وSaybolt – تركيا.
وبينما تتسارع التطورات، بات واضحًا أن القضية لم تعد تقنية أو إدارية، بل باتت قضية مال عام وصحة عامة وعدالة، وأن أي محاولة لتغطيتها أو تمريرها ستضع أصحابها مباشرة في مواجهة القانون.