انقسام الروابط… والتلميذ الخاسر الأكبر
في خضم هذا المشهد المأزوم، يبرز واقع الانقسام داخل الجسم التعليمي، كما تعكسه مواقف صادرة عن أكثر من جهة نقابية. وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أنّ الإضراب المعلن يومي الثلاثاء والأربعاء لا يشمل المدارس الرسمية الأساسية، فيما يقتصر على الثانويات والمدارس المهنية، مشيرةً إلى أنّ بعض المدارس قد تُغلق نتيجة قرارات تتخذها إدارات كلٌّ بحسب تقديرها، وفي ظل تباين واضح بين الروابط حول آليات التحرك.
وترى شاهين أنّ هذا المشهد لا يعبّر فقط عن اختلاف في الأساليب، بل يعكس حالة تفكك نقابي تُدار فيها التحركات من دون رؤية موحّدة، ما يضاعف الإرباك لدى الأهالي والتلامذة، ويحدّ من فعالية أي ضغط يُفترض أن يُمارَس على السلطة المعنية.
إضراب مفتوح أم تحركات متقطّعة؟
وتلفت شاهين إلى أنّ إضراب روابط الإدارات في القطاع العام مستمر من دون سقف زمني، في حين تعتمد روابط تعليمية أخرى خيار الإضرابات المتقطعة، في محاولة لتحصيل زيادات تصفها بـ"غير الكافية"، معتبرةً أنّ هذا المسار لا يلامس جوهر الأزمة، ولا يشكّل ضغطًا فعليًا على الحكومة، بل يكرّس سياسة المعالجات الجزئية.
وتؤكد أنّ المتعاقدين ما زالوا متمسّكين بخيار الإضراب المفتوح، باعتباره المدخل الوحيد لحل شامل، يبدأ بإقرار سلسلة رتب ورواتب عادلة، ويشمل تثبيت المتعاقدين وضمان حقوقهم الوظيفية والاجتماعية.
نداء إلى الملاك… وتحذير من منطق العزل
وفي لهجة عالية السقف، توجّه شاهين نداءً إلى أساتذة الملاك، داعيةً إلى تحصيل الحقوق ضمن إطار تضامني لا يستثني المتعاقدين، ومشددةً على أنّ أي مقاربة تتجاهل معاناة فئة أساسية من الجسم التعليمي ستؤدي إلى إضعاف أي تحرك، وتسهّل على الدولة الاستمرار في سياسة المماطلة.
حقوق مهملة… وانتقاد مباشر للوزارة
وفي معرض تحميل المسؤوليات، تنتقد شاهين أداء وزارة التربية، معتبرةً أنّ حقوق المتعاقدين لم تُدرج في صلب الأولويات، ولم يُتعامل معها كحقوق مكتسبة، سواء لجهة بدل الإنتاجية الصيفية، أو أجر الساعة، أو بدلات المراقبة والتصحيح، إضافة إلى الضمانات الصحية.
وتسأل: كيف يمكن مطالبة أستاذ لم يتقاضَ مستحقاته منذ أشهر بتحمّل عبء استمرارية العام الدراسي، فيما حقوقه الأساسية لا تزال معلّقة؟
تصعيد قائم… وشارع تربوي مأزوم
في المقابل، أكدت رابطة معلمي التعليم الأساسي التزامها بخطة التحرك المعلنة، مع الإضراب يومي الثلاثاء والأربعاء قبل وبعد الظهر، والحضور إلى المدارس من دون الدخول إلى الصفوف، والمشاركة في الاعتصام أمام وزارة التربية، مع التلويح بخطوات تصعيدية إضافية في حال استمرار التجاهل الرسمي.
غير أنّ هذا الواقع، في ظل الانقسام القائم، يعيد وضع التلامذة في قلب الأزمة، ويحوّل المدرسة الرسمية إلى ساحة تجاذب، يدفع فيها الطلاب ثمن غياب القرار الرسمي، وتفكك الموقف النقابي، وغياب أي خطة إنقاذية واضحة.
التعليم على حافة الانهيار
ما يشهده التعليم الرسمي اليوم يتجاوز كونه خلافًا نقابيًا أو إضرابًا عابرًا، ليصل إلى أزمة بنيوية تهدّد مستقبل جيلٍ كامل. وبين الانقسامات، والتأجيل، وغياب المعالجة الجدية، يبقى التلميذ الحلقة الأضعف.
وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تبادر الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها قبل سقوط ما تبقّى من التعليم الرسمي، أم يُترك الطلاب مجددًا أسرى أزمة لا يد لهم فيها ولا صوت؟