عندما غابت المظلة العربية التقليدية، وتراجع التمويل المرصود للبنان، وبدأت الأزمة الاقتصادية تلقي بظلالها على كل المؤسسات، وتقدّم منطق الفراغ والفوضى على منطق التسويات، رأت قطر في لبنان فرصة سياسية، وربما ضرورة استراتيجية، خصوصاً أن تجربتها السابقة في اتفاق الدوحة لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية اللبنانية. هذا الطموح لم يكن قطرياً حصراً، فتركيا حاولت، وفرنسا حاولت، وغيرهما حاول، لكن قطر تميّزت بأنها دخلت من البوابة الأقل استفزازاً، وهي بوابة دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية في ذروة الانهيار الاقتصادي.
هذا الدعم القطري أكد أن قطر تريد أن تكون حاضرة حيث تغيب السعودية، ولكن من دون كسر الخطوط الحمراء الأميركية. وعندما دخل لبنان في مرحلة الفراغ الرئاسي، حاولت الدوحة ترجمة هذا الحضور إلى دور سياسي مباشر، عبر طرح أفكار تسووية، وتسويق أسماء، وحتى محاولة دعم أحد المرشحين ضمن صفقة أوسع. إلا أن كل هذه المحاولات كانت تصطدم بسقف القرار الأميركي أولاً، وبحقيقة أن لبنان، في تلك المرحلة، كان ملفاً مؤجلاً بانتظار قرار إقليمي ودولي أكبر.
مع انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية، وعودة المملكة العربية السعودية إلى الساحة اللبنانية، تراجع الدور القطري تلقائياً. فلبنان، بالنسبة للدوحة، لا يستحق معركة كسر إرادات مع الرياض، ومع عودة السعودية، عاد التموضع القطري إلى حجمه الطبيعي بوصفه شريكاً داعماً، لا صاحب مشروع مستقل.
اليوم، ومع إعادة ترتيب العلاقات داخل الخليج، وبعد التقارب السعودي التركي، والمستجدات في المنطقة، عادت قطر تدريجياً إلى قلب الحلف السعودي. وهذا التحول ينعكس مباشرة على دورها في لبنان، فالدور القطري المقبل لن ينطلق من مشروع خاص، بل من تناغم مع الرؤية السعودية. وهذا ما بدأ يظهر من خلال الدفع السعودي بإشراك قطر ضمن الخماسية في المشاورات السياسية الأخيرة، بعد تحويل اللقاءات من ثلاثية تضم فرنسا وأميركا والسعودية إلى خماسية تضم معهم قطر ومصر.
في هذا الإطار، تدرك قطر أنها تملك ميزة تجعلها تكتسب أهمية خاصة، وهي القدرة على التحدث مع الجميع. فهي قادرة على التواصل مع الأميركيين والسعوديين والإيرانيين وحزب الله، من دون أن تُعتبر طرفاً معادياً أو منحازاً بالكامل. هذه القدرة تجعلها وسيطاً محتملاً في مرحلة لبنانية حساسة، خصوصاً إذا ما فُتحت مسارات تفاوض غير مباشرة حول دور حزب الله، ومستقبل الدولة، والعلاقة مع الخليج.
كذلك، ليس من قبيل الصدفة أن تكون قطر مرشحة لتكون من الداعمين الأساسيين للجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، في حال عُقد مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية في باريس، إذ سيكون لقطر دور أساسي في هذا السياق بسبب المطالب اللبنانية بحفظ دور قطر أولاً، والرغبة السعودية بإشراك قطر في عملية التمويل ثانياً.
الأهم أن قطر، بحسب المعطيات، فتحت أبواب القنوات التفاوضية. فبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، استقبلت الدوحة مسؤولاً بارزاً في حزب الله، يُرجح أنه الحاج محمد فنيش، وهو الشخصية التي تتولى اليوم دوراً سياسياً أساسياً، بحيث يُناط بها ملف النواب والوزراء، وملف الانتخابات، وغيرها. وفي اللقاء، كان النقاش عميقاً يدور حول نظرة حزب الله لمستقبل المنطقة، وكيف يمكن لقطر أن تساهم. وهذا بحد ذاته يؤشر إلى طبيعة الدور الذي تريد الدوحة لعبه، وبإمكانها لعبه، خصوصاً في سياق العلاقة بين الحزب والخليج.
بدأ الدور القطري في لبنان كمحاولة لملء فراغ، وتحول لاحقاً إلى “طموح” كبير، ثم عاد اليوم إلى موقعه “الأول” ضمن المظلة السعودية. فهل تنجح قطر في تسهيل التفاهمات، ودعم الاستقرار، وفتح قنوات الحوار في هذه اللحظة الإقليمية المعقدة؟