المحلية

placeholder

زياد الشويري

ليبانون ديبايت
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 - 07:28 ليبانون ديبايت
placeholder

زياد الشويري

ليبانون ديبايت

الدامور… حين صار الجرح صلاة

الدامور… حين صار الجرح صلاة

"ليبانون ديبايت"- زياد الشويري

في صباحٍ آخر من كانون الثاني، يعود ظِلُّ الدامور ليقف أمامنا كمرآةٍ لا تُكذب، ينعكس فيها ما عاناه شعبٌ في لحظةٍ آثِمة من تاريخنا المشترك. ذاك اليوم الذي صار ماثلاً في الوجدان مشكلاً وصمة في الضمير الإنساني وندبة لا تزال تفضح هشاشة مشروعنا الوطني. ذلك الصدى الذي لم يهدأ، ذلك الجرح الذي لم يندمل رغم مرور نصف قرن. يومٌ خرج من كونه تاريخاً في رزنامة الحرب اللبنانية، بل بوابة لوحشية لا يستطيع الزمن أن يمحو آثارها، يوم سقط فيه الأبرياء: الأطفال، الشيوخ، النساء العزل، أرواحهم التي لم تخطئ سوى أنهم أحبوا أرضهم وبيوتهم وحياتهم اليومية.

في كلّ عشرين من كانون الثاني، لا تعود الدامور مجرّد مكانٍ على الخريطة، لتتحوّل إلى سؤالٍ أخلاقيّ مفتوح:


كيف يُهجَّر الإنسان من أرضه، ويبقى وفيّاً لها؟


كيف يُكسر الجسد فيما تبقى الروح عصيّة على الهزيمة؟


وكيف تستطيع الذاكرة أن تحتضن الجرح، وتفتح في الوقت عينه باب الخلاص؟


الدامور في ذكرى تهجيرها تتجاوز حدود الحكاية الماضية، فهي حضورٌ كثيف، كأنها تقف بيننا اليوم لتطرح سؤالها العاري: ماذا فعلتم بالألم الذي أورثتكم إيّاه؟


هل جعلتموه كراهية؟ أم حولتموه الى عبرة؟


في الإيمان المسيحي، الذاكرة ليست استعادةً للموت، إنما عبورٌ نحو القيامة.


نحن لا نتذكّر الصليب كي نمجّد العذاب، بل كي نفهم أن الظلم لا يملك الكلمة الأخيرة، وأن القبر، مهما أُحكم إغلاقه، ليس نهاية الطريق.


وهكذا تُقرأ الدامور: صليبٌ حُمل على كتفيها، فصار شهادة حيّة على الصمود.


التهجير يتخطى خسارة بيت. إنه اقتلاع الزمن من مكانه، حين يفقد الماضي عنوانه، ويعيش الحاضر بلا أمان، ويقف المستقبل بلا ملامح.


التهجير هو أن تمشي في العالم وأنت تحمل قريتك في صدرك، تسمع بحرها في أذنك، وتشتم رائحة بساتينها في ذاكرة لا تنام.


آلاف الداموريين ثبتوا في إيمانهم الوطني، فدقوا أجراس كنائسهم حباً و رجاءً ولم يصدّقوا أن هذا الكمّ من الحقد الأعمى سيزورهم ذلك النهار، تلك الليلة، أو تلك الظلمة في حياتنا الوطنية. في البحر أبحروا، في البساتين أوغلوا، لحقهم الرصاص وطاردتهم الفؤوس.
عُذبوا وطوردوا حتى في هروبهم، سُبيت بيوتهم الهانئة وسط صور قليلة برسم الضمير والمحاسبة. الدامور اليوم تكابر على الجرح، أبناؤها مصرون على الحياة والضوء والأمل والعمل والإنماء، فيما يُخيّم عليها شعور يصفق وحيداً في عتمة النسيان.


ورغم كل ذلك، لم تكن الدامور يوماً مدينة الكراهية.


هي مدينة الصمت الثقيل، صمت الذين شاهدوا الشرّ ورفضوا أن يصابوا بعدواه.


صمت الذين أدركوا، بحدسٍ روحيّ عميق، أن الشرّ يُهزم عندما يُتجاوز ولا يُستنسخ.


أبناء الدامور تألموا، نعم، لكنهم لم يجعلوا من الألم عقيدة، ولا من الدم هوية.


وهنا تكمن عظمتهم الأخلاقية: أنهم لم يسمحوا للتهجير أن يُهجّر قلوبهم من إنسانيتهم.


نحن، كأبناء الدامور وكلبنانيين مدعوون إلى النظر في ما جرى بصدقٍ كامل، بعيداً عن الانتقائية.


مدعوون إلى الاعتراف بالألم، بدل حبسه في قوالب الشعارات. ومدعوون إلى إدراك أن التهجير يتجاوز كونه حدثاً طائفياً أو سياسياً، ليغدو خطيئة وطنية حين يُترك من دون معالجة، وحين يُترك ضحاياه وحيدين.


الفلسفة تقول إن الإنسان يُعرَف بقدرته على إعطاء المعنى لما حدث له، لا لما اختاره.


والدامور، وفق هذا الفهم، تتجاوز موقع الضحية، لتغدو صانعة دلالة.


حوّلت الجرح إلى شهادة.


والغياب إلى حضور.


والخسارة إلى نداء دائم لعودة فاعلة، عودة تجسّد فعل عدالة وليس حنيناً رومانسياً.


والدامور لا تطلب شفقة. هي تطلب اعترافاً. ولا تنتظر دموعاً، بل مشروع حياة.


في هذه الذكرى، لسنا مدعوّين إلى تجاوز تعداد المآسي، لنطرح السؤال الجوهري:


هل حوّلنا التهجير إلى درسٍ وطني، أم تركناه ملفاً مؤجَّلاً؟


شهداء الدامور لا تُطوى صفحة غيابهم، ولا يُركَن سجلّ موتهم في زوايا الإهمال؛ هم يُطرزون قماشة العلم يرفعون رأس الوطن ويشدّون قامته.


أولئك الذين سقطوا في الدامور لم يتحوّلوا إلى غيابٍ عابر، ولا إلى أسماءٍ تُستدعى عند الحاجة ثم تُعاد إلى الصمت. هم باقون حيث يجب أن يكون البقاء: في ضمير المكان، في جوهر الوطن، وفي كل محاولة صادقة لبناء مستقبلٍ لا يقوم على الإنكار. حضورهم لا يُقاس بعدد السنين، بل بقدرتهم المستمرة على مساءلتنا: ماذا صنعنا بالوصية التي تركوها لنا بلا كلمات؟


فالوطن ليس شعاراً يُرفع، هو التزام أخلاقي تجاه من دفعوا ثمن بقائه.


في الذكرى الماثلة أمامنا نحن الداموريين، لا يكفي أن ننتظر التفاتة من الدولة أو أن نطلب من المعنيين أن يعودوا الى كلمة سواء تُعيد إعمار الرجاء الداموري. ما نملكه، إذا وحّدنا قوانا، هو القدرة على فرض واقعٍ يعيد الحياة إلى نبضها، ويعيد الأعمال إلى أرضها، ويؤسس لإنماء حقيقي وازدهار ثابت، ويكرّس عودة كاملة بكل أبعادها.


الدامور لا تريد أن تُذكَر مرّة في السنة.


تريد أن تُعاد إلى الحياة كل يوم:


في مشفى يُفتح. في نادٍ يجمع كما يفعل نادي إنماء الدامور. في أرض تُزرَع. في مصنعٍ يُنتج، في شاب يقرّر أن يبدأ مشروع في بلدته، في حركة حياة لا تهدأ...


ومن هنا يبدأ واجبنا الحقيقي: من وعيٍ يدرك أن القوة تولد حين نتوقف عن انتظار العدالة من الخارج، ونباشر صياغتها من داخلنا. حين نلتقي حول مشروع حياة متكامل، ونرفض أنصاف الحلول، وحين نؤمن بأن العودة استعادة شاملة للناس والعمل والكرامة، فيتحول الرجاء إلى فعل حيّ لا إلى أمنية مؤجّلة.


الدامور تحتاج إلينا جسداً واحداً في تحمّل المسؤولية، وقلباً واحداً في المصير. عندها فقط لا يبقى التاريخ معلّقاً بين الأمس والغد.


وفي كل مرة نخطو على تراب الدامور، وننصت إلى إيقاع بحرها، ونعبر بين أشجارها وبيوتها، نفهم أن الذكرى تتجاوز الحزن، لتكون إنطلاقة للنهوض. هي دعوة صريحة لإعادة ضخ الحياة في شرايين المكان، وحماية المستقبل الذي يستحقه أبناؤنا، لأنهم الامتداد الطبيعي لهذه الأرض، وحرّاس رسالتها، وسبب استمرارها.


هنا، تصبح الوحدة فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون خياراً سياسياً، وتغدو المسؤولية الوطنية امتحاناً يومياً، لا موسماً خطابياً. فالدامور، كما الوطن، لا تُصانُ بالكلمات، إنما بالفعل، ولا تُحفظ بالانقسام، إنما بتلاقي الإرادات على حياةٍ تليق بتاريخها، وحاضرها، وما لم يُكتب بعد من مستقبلها.


يا دامور،


يا مدينة خرجتِ من الألم من دون أن تفرّطي بالكرامة،


نقف اليوم أمامك كتلاميذ، لا كقضاة.


نتعلّم منك أن الغفران لا يلغي الذاكرة،


وأن الذاكرة إن لم تُستنر بالحق، تنقلب ظلمة.


في ذكرى شهدائكِ نرفع الصلاة كي يستفيق الأحياء، فالموتى في حضن الله.


ونفهم أن القيامة لا تحدث وحدها،


إنها تحتاج إلى حجرٍ يُدحرج،


وإلى قلوب تجرؤ على الإيمان بأن الوطن قادر على النهوض… متى واجهنا الحقيقة.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة