المحلية

محمد المدني

محمد المدني

ليبانون ديبايت
الأربعاء 21 كانون الثاني 2026 - 07:25 ليبانون ديبايت
محمد المدني

محمد المدني

ليبانون ديبايت

نواف سلام… "حلم" كل رئيس جمهورية

نواف سلام… "حلم" كل رئيس جمهورية

"ليبانون ديبايت" - محمد المدني


ما يجري داخل مجلس الوزراء لا يمكن فصله عن حقيقة واضحة لكل من يراقب الأداء الفعلي للسلطة في لبنان، وهي أن القرار يُصاغ في قصر بعبدا ويُقرأ في السراي الحكومي. وما بين الصياغة والقراءة، لا ضياع ولا تردّد ولا تعدّد مراجع. هذه ليست مبالغة سياسية، بل توصيف دقيق لمسار حكم يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون بعقلية حازمة، ويمرّره عبر حكومة تعرف حدود دورها ووظيفتها.


رئيس الجمهورية لا ينتظر توافقًا هشًّا، ولا يقايض قراراته بتسويات ظرفية. هو يمسك زمام المبادرة كاملة، ويُدير مجلس الوزراء من موقع القيادة لا الرمز. الملفات التي تصل إلى طاولة المجلس تصل ناضجة، محسوبة، ومحصّنة، لا لتُناقش من حيث المبدأ، بل لتُقرّ. ومن هنا بالضبط تأتي قوّته، فالقرار لا يولد في النقاش، بل يُناقَش بعد أن يكون قد وُلد.


هذا النمط من الحكم لم يأتِ صدفة. رئيس الجمهورية يمتلك خلفية أمنية صلبة، وخبرة سياسية تجعله يعرف أن الدول لا تُدار بالارتجال ولا بتجارب غير محسوبة. يعرف أن كثرة الأصوات تُضعف القرار، وأن تعدّد المرجعيات يشلّ الدولة. لذلك أعاد الإمساك بالمفاصل الأساسية، وهي التعيينات، الأمن، الأولويات العامة، والتوقيت السياسي. أما مجلس الوزراء فتحوّل إلى محطة إقرار، لا ساحة صراع.


في هذا السياق، يصبح وجود رئيس حكومة مثل نواف سلام عنصرًا أساسيًا في تثبيت هذه المعادلة. سلام لا ينازع الرئيس على القيادة، ولا يحاول إنتاج دور سياسي موازٍ. هو لا يبني زعامة داخل الحكومة، ولا يُدير اشتباكًا على الصلاحيات. يعرف أن موقعه اليوم هو تأمين انتظام العمل التنفيذي، وتمرير القرارات التي تُتخذ في موقعها الطبيعي. ولذلك، فإن العلاقة بين الرئاستين ليست علاقة توازن، بل علاقة وضوح، واحد يقرّر، والآخر يُمضي.


من هنا، لا تُقرأ جلسات مجلس الوزراء كمساحات نقاش سيادي، بل كمحطات تنفيذ لمسار مرسوم سلفًا. القرارات تمرّ لأن رئيس الجمهورية يريد لها أن تمرّ، لا لأن موازين القوى داخل الحكومة أفرزتها. الوزراء يعرفون ذلك، والفاعلون السياسيون يعرفونه أكثر. ومن يريد التأثير أو التعديل، يعرف أن الطريق لا تمرّ من السراي، بل من بعبدا.


هذه السيطرة الواضحة على مسار القرار تفسّر لماذا يبدو رئيس الجمهورية مرتاحًا إلى استمرار الحكومة الحالية، ولماذا لا يملك أي مصلحة في إدخال عنصر مفاجأة على رأس السلطة التنفيذية. فحكومة هادئة، بلا طموحات سياسية حادة ولا مشاريع انتخابية، تشكّل الأداة المثلى لترسيخ هذا النمط من الحكم. لان أي تغيير في رئاسة الحكومة قد يستجلب شخصية أكثر صدامية، أو أكثر اشتباكًا، أو أقل قابلية للمرور السلس للقرارات، وهذا ما لا يريده رئيس الجمهورية في هذه المرحلة.


الأمر يتجاوز الأشخاص إلى المنهج. رئيس الجمهورية يدرك أن القوة في النظام اللبناني لا تُمارَس بالصوت العالي، بل بالقدرة على جعل القرارات تمرّ كأمر واقع. وما دام مجلس الوزراء يقرأ ما تقرّره الرئاسة الأولى، فإن العهد يمسك بزمام السلطة الفعلية، لا الشكلية. وهذا تحديدًا ما يسعى إليه.


في المحصّلة، من يريد فهم ما يجري في مجلس الوزراء، عليه أن ينظر إلى ما يجري قبل انعقاده. هناك تُكتب القرارات، وهناك تُحدَّد الأولويات، وهناك يُرسم الإيقاع. أمّا الطاولة الحكومية، فباتت المرآة التي تعكس قوة رئيس الجمهورية، لا المطبخ الذي يصنعها.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة