دخلت العلاقات الأوروبية–الأميركية مرحلة اختبار اقتصادي غير مسبوق، على وقع تصعيد سياسي حاد، في ظل تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، أو المضي في سيناريو التخلي عن غرينلاند وضمّها إلى الولايات المتحدة.
وفي موازاة ذلك، دعا الاتحاد الأوروبي إلى اجتماع عاجل في بروكسل الخميس المقبل، حيث أُعدّت حزمة خيارات للرد تتراوح بين فرض رسوم جمركية مضادة، وتشديد القيود على الشركات والبنوك الأميركية، وصولًا إلى مراجعة اتفاقيات التجارة الثنائية.
وانعكس هذا التوتر سريعًا على الأسواق العالمية، إذ تجاوزت أسعار الذهب مستوى 4700 دولار للأونصة، فيما قفزت أسعار الفضة بنسبة 5 في المئة لتلامس 95 دولارًا، في وقت كان فيه الدولار الأميركي أول الخاسرين، متراجعًا أمام سلة من العملات الرئيسية، في مؤشر واضح على حساسية الأسواق تجاه حرب التصريحات بين أبرز حليفين اقتصاديين.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم أبحاث السوق في MH Markets، مازن سلهب، في حديث لـ "سكاي نيوز عربية"، أن الأسواق العالمية أثبتت تاريخيًا أنها لا تتعامل بإيجابية مع الفوضى السياسية أو حالات عدم الاستقرار، سواء كانت اقتصادية أم سياسية، مؤكدًا أن الحرب التجارية شكّلت عنصرًا أساسيًا في تعميق هذا القلق.
وأشار إلى أنه رغم عدم دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود أو تراجع حاد كما توقعت بعض السيناريوهات لعام 2025، فإن ذلك لا يُعدّ مؤشرًا على الاستقرار، لافتًا إلى أن تحركات الأسواق أظهرت تراجعًا واضحًا في مؤشرات الأسهم، بالتوازي مع ضعف مؤشر الدولار الأميركي، بما يعكس تآكل الثقة.
وأكد أن العامل الحاسم في المرحلة الراهنة هو الثقة، معتبرًا أن استمرار عدم الاستقرار السياسي سيؤدي إلى نزيف متواصل في أسواق الأسهم، مقابل بقاء الذهب عند مستويات مرتفعة، فيما سيكون الدولار الأميركي الخاسر الأكبر، حتى في ظل مستويات فائدة مرتفعة نسبيًا. وبيّن أن المستثمرين اتجهوا إلى بيع الأصول المرتبطة بالدولار، بحثًا عن ملاذات أكثر استقرارًا مثل اليورو، والفرنك السويسري، والين الياباني.
وفي ما يتعلق بأسواق المعادن النفيسة، رأى سلهب أن الارتفاعات المسجلة في أسعار الذهب مبررة، في ظل مستويات تضخم عالمية "عنيدة"، إلى جانب التدفقات النقدية القوية إلى صناديق الاستثمار المتداولة، ومشاركة المستثمرين الأفراد.
ولفت إلى أن نسبة الذهب إلى الفضة تراوحت بين 49 و50، وهي مستويات لا تُعدّ مقلقة تاريخيًا، مذكّرًا بأن هذه النسبة تحركت تاريخيًا بين 40 و80، وبلغت 100 قبل أكثر من ستة أشهر خلال عام 2025، قبل أن تتراجع مع ارتفاع الفضة بوتيرة أسرع من الذهب. وبناءً عليه، اعتبر أن الارتفاعات الحالية لا تزال مبررة، وأن هناك مجالًا لمزيد من الصعود، مع ارتباط المسألة بعامل الوقت.
وتوقع سلهب أن تصل الفضة إلى مستوى 100 دولار، معتبرًا أن ذلك مسألة وقت في ظل ارتفاعات تراوحت بين 7 و10 في المئة. أما الذهب، فأشار إلى أنه بعد تجاوزه مستوى 4730 دولارًا، قد يتجه نحو 4800 دولار، مع بقاء الباب مفتوحًا للوصول إلى 5000 دولار في حال استمرار التوترات، وتواصل الحرب التجارية، وتصاعد التضخم.
وأكد أن الحرب التجارية ستكون العامل الأبرز في دعم أسعار الذهب، من خلال الضغط على الدولار الأميركي، أكثر من التوترات السياسية بحد ذاتها، التي رأى أنها قد تكون مؤقتة، بما في ذلك التوترات الأوروبية–الأميركية.
واستبعد سلهب لجوء الأوروبيين إلى استخدام "سلاح الأصول" ضد الولايات المتحدة، مشيرًا إلى حجم التشابك الكبير في الاستثمارات والأصول المتبادلة، ما يجعل هذا الخيار بالغ الصعوبة. وأوضح أن الولايات المتحدة تُعدّ أكبر اقتصاد في العالم وتستثمر على نطاق واسع في أوروبا، فيما يشكل الأوروبيون شركاء اقتصاديين رئيسيين للأميركيين، ما يجعل أي تصعيد من هذا النوع مكلفًا للطرفين.
وفي المقابل، أشار إلى اختلاف هذا المشهد عن الحالة الروسية، حيث كان غياب التشابك الاقتصادي يسمح للأوروبيين بالتصرف بطريقة مختلفة، مؤكدًا أن أوروبا لا ترغب في دفع خلافها مع واشنطن إلى مستوى القطيعة أو التصعيد الشامل.
وفي ما يتعلق بالعملات، أوضح سلهب أن ارتفاع اليورو بأكثر من 0.7 في المئة جاء نتيجة تراجع الدولار الأميركي، باعتبار أن اليورو يشكّل الوزن الأكبر في مؤشر الدولار. ولفت إلى إمكانية تحقيق اليورو مكاسب إضافية في حال التوصل إلى اتفاق سياسي، رغم بقاء الأصول الأوروبية تحت ضغط مزدوج ناجم عن الحرب الروسية–الأوكرانية والحرب التجارية مع واشنطن.
وختم بالتأكيد أن التقييمات لا تزال داعمة للأسهم الأوروبية، مع إمكانية تسجيل ارتفاعات قياسية في حال انتهاء الأزمات القائمة، معتبرًا أن التراجعات الحالية لا تعني بالضرورة الدخول في مرحلة انهيار، بل تعكس إعادة تسعير مؤقتة في ظل مشهد سياسي واقتصادي شديد التعقيد.