في مشهد لا يخلو من السخرية السياسية، بدا وكأن الولايات المتحدة و"إسرائيل" قررتا فتح جبهة جديدة… لكن هذه المرة ليست في غزة ولا على الحدود اللبنانية، بل على “من يملك الفضل” في منظومة “القبة الحديدية”. فبينما تتسابق تل أبيب وواشنطن عادةً لعرض صورة “التحالف التاريخي”، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دافوس ليقولها بوضوح: “قلت لبيبي أن يتوقف عن أخذ الفضل في القبة الحديدية… الفضل لنا”، في تصريح أربك المؤسسة الإسرائيلية وفتح جدلاً علنياً حول من صنع السلاح ومن دفع ثمنه.
وبحسب تقرير نشره موقع “mako” الإسرائيلي، فإن تصريح ترامب لا يعكس الصورة الكاملة، إذ يشير إلى أن تطوير منظومة “القبة الحديدية” حتى مراحل متقدمة كان إسرائيلياً بالكامل بنسبة 100%، بما في ذلك مراحل التجارب ومعالجة الأعطال والتطوير العملياتي، وأن التمويل الأميركي لم يدخل في المشروع منذ البداية، بل جاء في مرحلة لاحقة بعدما أثبتت إسرائيل أن لديها “منظومة ناجحة بين يديها”.
ويوضح التقرير أن “القبة الحديدية” تضم بالفعل مكونات أميركية، وأن الولايات المتحدة ساهمت لاحقاً في بعض المراحل الهندسية والتجارب داخل أراضيها، إلا أن جوهر الابتكار والبحث والتطوير ظل إسرائيلياً، فيما كان الدور الأميركي، وفق التقرير، حاسماً في مرحلة تحويل المنظومة إلى قدرة تشغيل واسعة ومستدامة، عبر ضخ مليارات الدولارات لتأمين البطاريات وصواريخ الاعتراض المكلفة.
أما التقرير الثاني، الذي كتبه الصحافي الإسرائيلي أودي عتسيون، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن ترامب “يحاول سرقة الفضل”، مؤكداً أن واشنطن رغم كونها المزوّد الأساسي للسلاح لتل أبيب، لم يكن لديها في الأساس نظام جاهز لمواجهة تهديد الصواريخ القصيرة، وأن إسرائيل اضطرت إلى تطوير حلولها بنفسها. ولفت عتسيون إلى أن “القبة الحديدية”، مثل منظومات الدفاع الأخرى كـ”حيتس” و”مقلاع داود”، تعتمد على “عقل إسرائيلي” مقابل “تمويل أميركي”، وأن اشتراط تنفيذ جزء من الإنتاج داخل أميركا لا يعني أن التكنولوجيا أميركية.
وبحسب ما ورد في التقريرين، فإن منظومة “القبة الحديدية” بدأت فعلياً عام 2007 كردّ على إطلاق الصواريخ من غزة ولبنان، وتولت تطويرها شركة “رافائيل” الإسرائيلية، بالتعاون مع شركة “إلتا” التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية التي طورت الرادار، وشركة mPrest التي طورت نظام القيادة والسيطرة. وفي سنواتها الأولى، موّلت إسرائيل المشروع من ميزانيتها الدفاعية بالكامل، وسط انتقادات داخلية وخارجية كانت تشكك بقدرتها على النجاح.
لكن ابتداءً من عام 2010، دخلت الولايات المتحدة كشريك أساسي بعد نجاح التجارب، خصوصاً مع حاجة إسرائيل إلى نشر عدد كبير من البطاريات وتأمين آلاف صواريخ الاعتراض باهظة الثمن. ويشير التقرير إلى أن الإدارات الأميركية المتعاقبة ضخت مليارات الدولارات لتعزيز المنظومة، وأن اتفاقات التمويل أدت إلى تصنيع جزء كبير من مكونات الاعتراض داخل الولايات المتحدة، حيث يُنتج نحو 70% من صواريخ “تامير” عبر شركة Raytheon بالتعاون مع “رافائيل”.
وفي الخلفية، يعكس هذا السجال العلني بين ترامب ونتنياهو جانباً من الحقيقة التي كثيراً ما تُخفى خلف خطاب “الدعم غير المشروط”: فحتى داخل التحالف الأميركي–الإسرائيلي، هناك حسابات نفوذ وأموال و”حقوق ملكية سياسية” للسلاح، تماماً كما أن كل خطوة عسكرية في المنطقة تعود دائماً إلى منطق المصالح أولاً.
وفي سياق متصل، أشار “mako” إلى أن ترامب يعمل حالياً على دفع مشروع دفاع جوي أميركي باسم “القبة الذهبية” (Golden Dome)، مستلهماً التجربة الإسرائيلية، لكن ضمن تصنيع وتطوير أميركيين لتلبية احتياجات واشنطن.