شدّد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، في خطبة الجمعة، على أنّ العالم يعيش مرحلة مفصلية تتّسم بصراع عميق بين منطق "قوة الحق" ومنطق "حق القوة"، معتبرًا أنّ هذا الصراع ليس ظرفيًا بل تاريخي وأيديولوجي، ولا يمكن حسمه بتسويات وسطية.
ورأى الخطيب أنّ القوى المادية غير الذاتية، مهما بلغت ذروة جبروتها، تبقى محدودة ومشروطة بعوامل متغيّرة، مشيرًا إلى أنّ الغرب يسعى اليوم إلى فرض هيمنة القوة المادية باعتبارها المرجعية الحاكمة لمصير العالم، وقد تجسّد ذلك بأوضح صوره في النموذج الأميركي اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا. ولفت إلى أنّ هذه الهيمنة، رغم وصولها إلى القمة، بدأت تقترب من نهايتها التاريخية.
واعتبر أنّ ما شهدته المنطقة، ولا سيما في غزة ولبنان، أسقط الأقنعة عن المنظومة الدولية التي لطالما رفعت شعارات العدالة وحقوق الإنسان، مؤكدًا أنّ التجربة العملية كشفت أنّ المعيار الوحيد الحاكم هو "حق القوة"، لا القانون ولا الأخلاق. وأضاف أنّ الولايات المتحدة تمارس سياسة تهديد وبلطجة عالمية للاستحواذ على مصادر الطاقة والمعادن النادرة، في محاولة للتفرّد بالسيطرة على العالم وفق أيديولوجية تقوم على الاحتكار المطلق للقوة.
وأشار الخطيب إلى أنّ الصراع الدائر اليوم هو بين قوى متماثلة في الأيديولوجيا المادية تسعى إلى فرض قوة واحدة مهيمنة، وبين نموذج مختلف تمثّله الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوى المقاومة، التي تشكّل استثناءً أيديولوجيًا يحمل منطق "قوة الحق" كبديل أخلاقي وإنساني في مواجهة توحّش القوى الغاشمة.
وأوضح أنّ هذا التناقض يبلغ حدّ الصراع الوجودي الذي لا يمكن حلّه إلا ضمن سنن تاريخية إلهية، حيث تتداول الأمم مراحل الصعود والسقوط، مؤكّدًا أنّ منطق التاريخ يثبت أنّ "حق القوة" يسقط عند بلوغه الذروة، فيما يُكتب النصر في النهاية لقوة الحق.
وتطرّق الخطيب إلى التطورات في شمال سوريا، معتبرًا أنّ ما جرى بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية يشكّل مثالًا إضافيًا على السياسة الأميركية القائمة على استخدام الحلفاء ثم التخلّي عنهم عند تغيّر المصالح. وأكد أنّ الولايات المتحدة لا تملك حلفاء حقيقيين، بل تتعامل مع الدول والمجموعات كأدوات تُباع وتُشترى وفق مصالحها.
وحذّر من الرهان على الولايات المتحدة، واصفًا إياه بالسراب، داعيًا اللبنانيين إلى استخلاص العبر، وتغليب لغة العقل والحوار لتعزيز الوحدة الداخلية، باعتبارها ميزان الاستقرار في مواجهة الرياح الخارجية المسمومة.
وفي الشأن اللبناني، انتقد الخطيب أداء السلطة، معتبرًا أنّها لا تبادر سياسيًا ولا ديبلوماسيًا لكسر الجمود القائم، محذّرًا من أنّ استمرار المراوحة قد يفتح الباب أمام اضطرابات واسعة، في ظل اعتداءات إسرائيلية يومية وغياب أي اهتمام أميركي فعلي بلبنان.
ورأى أنّ الحكومة تتعامل مع مفهوم السيادة بمنطق انتقائي، فتشدّد على حصرية السلاح عندما يتعلّق الأمر بالمقاومة، فيما تصمت أو تعجز أمام الاعتداءات الإسرائيلية والضغوط الخارجية. وتساءل: أين السيادة حين تُفرض الشروط السياسية مقابل المساعدات؟ وأين هي حين يُمنع الجيش اللبناني من الحصول على سلاح نوعي؟
وأكد أنّ السيادة لا تُجزّأ ولا تُختصر بشعارات، معتبرًا أنّ تحميل الدولة مسؤوليات تفوق قدراتها الدفاعية لا يُبنى به وطن، بل يُستخدم للهروب من أصل المشكلة، وهي العجز عن فرض التزامات دولية على إسرائيل، وتمكين الجيش، وصياغة استراتيجية دفاعية وطنية جدّية.
وشدّد الخطيب على أنّ المقاومة لم تكن يومًا مشروعًا بديلًا من الدولة، بل جاءت استجابة لفراغ حكومي مزمن في ملف الدفاع، معتبرًا أنّ تصدير الخلافات الوطنية إلى الخارج يضعف موقع لبنان التفاوضي ويمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا.
وختم بالتأكيد أنّ انتقاده للحكومة نابع من الحرص على الدولة، داعيًا إلى مصارحة سياسية شجاعة، وفتح باب الحوار الوطني الجدي حول استراتيجية الدفاع أو الأمن الوطني، بدل تحميل المقاومة مسؤولية أزمة لم تصنعها، وتحميل الدولة ما لا تملك.