“ليبانون ديبايت”
تحرّك ملف حادثة الكحالة قضائيًا بعد نحو سنتين على وقوعها، في قضية بدأت بحادث سير تعرّضت له شاحنة تابعة لحزب الله كانت محمّلة بأسلحة وذخائر حربية على منعطف خطر في منطقة الكحالة، ما أدى إلى انقلابها في شهر آب 2023. وعلى إثر ذلك، تجمّع عدد من الشبان في محيط الشاحنة، وبدأوا برميها بالحجارة في محاولة للسيطرة عليها، قبل أن يتطور الأمر إلى اشتباك مسلح عنيف أسفر عن سقوط قتيلين، أحدهما من أبناء المنطقة والآخر من مرافقي الشاحنة.
وفي جديد الملف، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على اللبناني هادي م.ن، وعلى كل من يُظهره التحقيق، على خلفية الاشتباك المسلح الذي وقع في محلة الكحالة – عاليه، أثناء مرافقة الشاحنة المحمّلة بالذخائر، وما تخلله من تبادل كثيف لإطلاق النار مع بعض أهالي المحلة.
وبحسب المعطيات، فإن الادعاء جاء بنتيجة تحقيقات أجرتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، التي تولت التحقيق والاستجواب وجمع الإفادات والمعطيات التقنية والميدانية، بعد توافر معلومات لديها عن مشاركة الموقوف في الحادثة.
وتشير الوقائع إلى أن هادي م.ن كان موقوفًا أساسًا لدى الجهات المختصة على خلفية قضايا أخرى تتعلق بحيازة سلاح حربي من دون ترخيص، وإطلاق النار، وجرائم أخرى، ما استدعى مراجعة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، الذي أشار إلى استخراجه من مكان توقيفه واستجوابه من قبل مديرية المخابرات، على ضوء المعلومات المتوافرة بشأن حادثة الكحالة.
وقبل المباشرة باستجوابه، جرى اطلاعه على كامل حقوقه القانونية المنصوص عليها في أصول المحاكمات الجزائية، فصرّح بعدم رغبته بالاستفادة منها ووقّع على ذلك أصولًا، ثم جرى استجوابه من قبل جهاز مديرية المخابرات.
وخلال الاستجواب، أفاد الموقوف أنه في يوم الحادثة، وحوالي الساعة 1 بعد الظهر، كان موجودًا في منزله في محلة تعلبايا عندما تواصل معه عبر تطبيق “واتساب” مسؤول في إحدى وحدات حزب الله ملقب بـ”كرّار”، وطلب منه أن يكون على جهوزية وأن يلاقيه عند مفرق منزله.
وأضاف أنه التقى بالمسؤول المذكور، الذي كان يقود سيارة رباعية الدفع ذات زجاج خلفي حاجب للرؤية، وأن داخل السيارة كانت توجد بندقية حربية مزودة بمشط ذخيرة، وأبلغه المسؤول أن المهمة تقضي بحماية شاحنة نوع “هينو” محملة بأسلحة حربية عائدة للحزب، ومرافقتها حتى وصولها إلى وجهتها في بيروت.
وأوضح أنه انطلق برفقة المجموعة باتجاه بيروت مرورًا بمحاور عدة، وأن التواصل كان يتم بواسطة جهاز لاسلكي داخل السيارة، لافتًا إلى أن الموكب وصل إلى محيط عين جديدة والكحالة، حيث ساد توتر في المكان تبعه إطلاق نار كثيف من أكثر من جهة، مؤكّدًا أنه شارك في إطلاق النار من سلاحه الحربي خلال الاشتباك.
وبحسب ما ورد في إفادته، فقد تعرضت المجموعة لإطلاق نار صعودًا عبر المسلك المؤدي من عاليه باتجاه بيروت، حيث كان في الطليعة الشخص الملقب “كرّار”، يليه هادي م.ن، وخلفهما أحمد قصّاص، فيما بقي شخص رابع بالقرب من الآليات المرافقة لكونه لا يحوز سلاحًا حربيًا.
وأشار إلى أنه وبحسب التعليمات الصادرة عن الملقب “كرّار”، جرى الرد بداية على إطلاق النار من خلال إطلاق النار في الهواء باتجاه “كوع الكحالة”، وكانت البندقية المستخدمة على وضع “الطلقي”.
وخلال ذلك، سمع الملقب “كرّار” يردد عبارة “قتلوا… قتلوا”، ليتبين لاحقًا أن أحمد قصّاص أصيب بعدة طلقات نارية وما لبث أن فارق الحياة.
وفي الوقت نفسه، سُجّل إطلاق نار كثيف صادر من الجهة المقابلة على المسلك المؤدي من بيروت باتجاه عاليه، حيث لوحظ وجود شخص متمركز في زاوية مبنى على يسار الكنيسة، يحوز بندقية حربية نوع “كلاشينكوف” ويطلق النار باتجاه المجموعة.
وعندها، جرى الرد على مصادر النيران من خلال إطلاق عدة طلقات نارية باتجاه مصدر النار.
ولفت إلى أنه في تلك الأثناء حاول الشخص الرابع انتشال جثة أحمد قصّاص، إلا أنه لم يتمكن من ذلك بسبب استمرار إطلاق النار باتجاه المجموعة وباتجاه الآليات المرافقة.
وأضاف أنه لاحقًا وصلت دوريات من الجيش اللبناني إلى المكان وعملت على تهدئة الأوضاع، وعندها جرى انتشال جثة أحمد قصّاص بمساعدة الملقب “كرّار”، حيث وُضعت الجثة داخل سيارة نوع “جيب شيروكي” (نيو 2).
وتابع أنه بعد ذلك توجه برفقة الملقب “كرّار” إلى مستشفى الرسول الأعظم في بيروت، فيما لحق بهما شخص آخر على متن سيارة “شيروكي” (نيو 3).
وبحسب إفادته، بقي هادي م.ن في مستشفى الرسول الأعظم حتى حوالي الساعة 2 بعد منتصف الليل، ثم غادر المستشفى برفقة الملقب “كرّار” وتوجه بعدها إلى منزله في محلة تعلبايا.
كما أفاد بأنه علم لاحقًا، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بمقتل المدعو فادي بجاني، مرجحًا أنه الشخص الذي تم إطلاق النار باتجاهه خلال الأحداث.
وتعززت هذه الإفادات بمعطيات تقنية أجرتها مديرية المخابرات لجهة دراسة حركة الاتصالات والتواجد الجغرافي، حيث تبين أن الأرقام المستخدمة من قبل الموقوف كانت ناشطة يوم الحادثة في محيط ظهر البيدر، ثم انتقلت إلى محلة الكحالة وبقيت فيها خلال الفترة الزمنية التي حصلت فيها الاشتباكات، قبل أن تغادر باتجاه بيروت، ما يؤكد تواجده في المكان والتوقيت نفسيهما.
كما عُرضت على الموقوف تسجيلات مصورة وصور مستخرجة منها، فتعرف على نفسه وهو يحمل سلاحًا حربيًا ويتحرك في مسرح الاشتباك، كما تعرف على أشخاص آخرين شاركوا في إطلاق النار، من بينهم الملقب “كرّار” وأحمد قصّاص، وأقر بصحة الوقائع التي تظهر استخدام الأسلحة الحربية وسقوط قتلى خلال الاشتباك، ووقّع على ذلك أصولًا.
وبناءً على مجمل هذه الوقائع والإفادات والمعطيات التقنية والبصرية، خلصت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان إلى توافر شبهة جدية بارتكاب أفعال جرمية خطيرة تمس الأمن العام.
وعليه، ادعى القاضي سامي صادر على هادي م.ن وعلى كل من يظهره التحقيق بجرائم القتل قصدًا ومحاولة القتل والمشاركة في أعمال إطلاق نار وحيازة أسلحة حربية وذخائر من دون ترخيص وتعريض السلامة العامة للخطر، وذلك سندًا لأحكام المادة 549 من قانون العقوبات والمادة 73 من قانون الأسلحة وسائر المواد ذات الصلة.
وأحيل الملف مع الموقوف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسم، طالبًا توقيفه واستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق جميع المتورطين.