"ليبانون ديبايت"- سمر يموت
داخل زنزاناتٍ يحاصر قاطنيها النسيان والإهمال، يعيش سجناء لبنان معاناة يومية لا يراها إلا من هو خلف القضبان. يخشى هؤلاء أن تُغفل الدولة قضيتهم، وأن يُنظر إليهم كمجرّد أرقام، بينما تمرّ عليهم كل لحظة مثقلة بالحنين إلى الحرية.
تبلغ نسبة الاكتظاظ في سجن “رومية المركزي”، أكبر السجون اللبنانية، نحو 340٪، فيما تصل نسبة الموقوفين غير المحكومين إلى 83٪ من أصل 8400 سجين موزّعين على 25 سجنًا و230 نظارة.
منذ العام 2019، ومع اندلاع الأزمة الاقتصادية في لبنان وما تلاها من أزمات، تراكمت الملفات القضائية وتأخّرت الجلسات والمحاكمات، ما فاقم أزمة السجون، وترافق مع تراجع حاد في مستويات الرعاية الصحية والغذائية، فبات السجناء يعانون من الاكتظاظ في ظروف قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ومع اقتراب توقيع الاتفاقية القضائية بين لبنان وسوريا، والتي سيتم بموجبها تسليم نحو 300 محكوم سوري إلى بلادهم، ورغم مباركة السجناء اللبنانيين لهذه الخطوة لما تحمله من حلّ جزئي لمشكلة الاكتظاظ، إلا أنهم عبّروا عن شعورهم بالغبن، مطالبين بحلّ شامل وعادل لجميع السجناء، على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم. وعلى هذا الأساس، قرّروا الإضراب عن الطعام، الذي بدأ أمس الإثنين، محذّرين من احتمالات تصعيد أخرى، بالتوازي مع تحركات لذويهم خارج السجون، حيث سيُنفَّذ اعتصام يوم الجمعة المقبل في ساحة رياض الصلح.
تقليص السنة السجنية
وفيما ترتفع الأصوات المطالِبة بتطبيق المادة 108 من أصول المحاكمات الجزائية، التي تحدّد الحدّ الأقصى لمدة التوقيف الاحتياطي وتفرض الإفراج التلقائي عن الموقوف بعد انقضائها (شهران في الجنح وستة أشهر في الجنايات)، يؤكّد السجين اللبناني عمر الأطرش، في اتصال مع “ليبانون ديبايت”، أن الإضراب عن الطعام سيكون مفتوحًا ومرتبطًا بما ستسفر عنه التطورات المقبلة.
وأوضح أنهم “يباركون تسليم السجناء السوريين إلى بلادهم، لكنهم يرفضون إهمال الدولة لشريحة واسعة من السجناء اللبنانيين”، داعيًا إلى حلول شاملة تشمل تقليص السنة السجنية من تسعة أشهر إلى ستة، وتحديد سقوف لعقوبات المؤبد والإعدام بما يضمن العدالة والكرامة الإنسانية.
لا لحمة في الطعام
الواقع الصحي داخل السجون كارثي، إذ توفي العام الماضي نحو 44 سجينًا، وسُجّلت ست حالات وفاة في الشهر الأول من هذا العام، نتيجة نقص الرعاية الطبية والغذائية. ويقتصر الطعام المقدّم داخل السجون على الأرز والبرغل والبطاطا أو العدس، من دون لحوم أو دجاج. أما الكميات، وبشهادة السجناء، فغير كافية، ما يضطر بعضهم إلى شراء الطعام من “الحانوت” بأسعار مرتفعة.
لا يصلح للحيوانات
يؤكّد الأطرش أن “الطعام الذي تقدّمه الدولة لا يصلح حتى للحيوانات، ولو اعتمد عليه السجين وحده لمات جوعًا”. ويشير إلى أن جميع الأدوية يضطر السجناء إلى شرائها على نفقتهم الخاصة، مع بعض المساعدات المحدودة من الجمعيات الأهلية. أما الرعاية الطبية، فيصفها بأنها تعاني شللًا شبه كامل، إذ يوجد طبيب مناوب واحد فقط لأربعة آلاف سجين في “رومية”، فيما تعجز الدولة عن توفير الاعتمادات اللازمة لتغطية نفقات الاستشفاء.
الوضع الصحي كارثي
بدوره، يسلّط المحامي جوزيف عيد، رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين في بيروت، الضوء على أزمة الاكتظاظ في السجون، مشيرًا إلى أن “الأزمات الاقتصادية المستمرة، ونقص آليات سوق الموقوفين، وتراكم الملفات القضائية، زادت من الاكتظاظ وأخّرت المحاكمات”. ووصف الوضع الصحي بـ”الكارثي”، في ظل تدهور الرعاية الصحية والغذائية والنفسية، وتراجع عدد المستشفيات المتعاقدة من ثمانية إلى مستشفيين فقط، إضافة إلى نقص الأدوية والأطباء وسيارات الإسعاف والمستشفيات الميدانية.
وأكد عيد أن “حالات الانتحار الأخيرة تعكس غياب متابعة صحية ونفسية كافية”، محمّلًا الدولة كامل المسؤولية، ومشدّدًا على ضرورة وضع خطة طوارئ لمعالجة الأزمة الصحية. كما دعا إلى تكاتف وزارات الداخلية والعدل والصحة مع المنظمات الدولية ونقابتي المحامين، لضمان حقوق السجناء وتحسين أوضاعهم.
تضامن عالحلوة والمرّة
وانضم السجناء السوريون إلى الإضراب عن الطعام تضامنًا مع زملائهم اللبنانيين، احتجاجًا على ما وصفوه بـ”ازدواجية المعايير في إدارة السجون”. وقال السجين السوري منهل.ع لـ”ليبانون ديبايت”: “نحن معًا عالحلوة والمرّة. فبينما تُسهّل الدولة عودة السوريين إلى بلادهم، يُترك السجناء اللبنانيون لمصيرهم بلا حلول، ما يعكس تجاهلًا صارخًا للكرامة الإنسانية”.